الاخبار
السيد الصافي يدعو إلى الاقتداء بنهج السيدة الزهراء (عليها السلام) وفكرها في بناء الوعي بوصفها طريقًا للهداية
2026/01/01
دعا المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، إلى الاقتداء بنهج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) واستلهام فكرها في بناء الوعي بوصفها طريقًا للهداية.

جاء ذلك في كلمته خلال فعاليات مهرجان روح النبوة الثقافي النسوي العالمي الثامن، الذي تقيمه شعبة مدارس الكفيل الدينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة تحت شعار (فاطمة الزهراء -عليها السلام- مجمع النورين: النبوة والإمامة)، وبعنوان (فاطمة الزهراء -عليها السلام- بناء الوعي وإحياء القيم).

وبارك سماحته في مستهل حديثه للحاضرين حلول شهر رجب الأصب، وذكرى ولادة الإمام الجواد وولادة الإمام أمير المؤمنين (عليهما السلام)، داعيًا الله تعالى أن يصب فيه الخيرات على الجميع.

وبيّن سماحته أنّ هذا الاحتفال مرتبط مباشرة بالسيدة الزهراء (عليها السلام) روح النبي المصطفى (صلوات الله عليه وآله)، ولكن ارتأت العتبة المقدسة أن تؤخره عن الولادة الشريفة في العشرين من جمادى الآخرة لدمجه مع حفل التخرج المركزي لطالبات الجامعات العراقية للاحتفاء بهن يوم غد في حضرة أبي الفضل العباس (عليه السلام).

وأشار سماحته إلى أنّ الحديث عن السيدة الزهراء (عليها السلام) حديث لا ينضب، لأنّ لها شأنًا خاصًّا، فبعض الشخصيات صنعوا التاريخ، وهي ممن صنع التاريخ، فالكرة الأرضية حافلة بشخصيات أرسلها الله سبحانه وتعالى بشكل مباشر أو بالواسطة لهداية الناس، ولا يوجد أحد أحرص على هداية الناس من الله تبارك وتعالى.

وأكد سماحته أنّه كلما مال الإنسان إلى غير الهدى، فرح الشيطان وأتباعه، وحزن الأنبياء وأتباعهم، وهذه معركة مستمرة من بدء الخليقة على الأرض، إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، وهي معركة شرسة كل فئة قد تهيأت بأدواتها وتريد الانتصار فيها، فرقة الحق المرتبطة بالله تبارك وتعالى، وفرقة الشيطان وأتباعه أيضًا.

وتطرق سماحته إلى أهمية قراءة الخطبة الفدكية وحفظها في طلاقة اللسان والفصاحة، لما تحمل من قوة في البلاغة وقوة في المضمون غاية الأهمية، تفتح الذهن إلى أبواب كثيرة من الهداية.

وجاء في نص الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
الإخوة الأعزاء أخواتي بناتي السلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.

مبارك عليكم هذا الشهر الشريف شهر رجب الأصب نسأل الله تعالى أن يصب فيه الخيرات على الجميع صبًّا، وأيضًا مبارك لكم ولادة الإمام الجواد وولادة الإمام أمير المؤمنين (عليهما السلام).

هذا الاحتفال مرتبط بشكل مباشر بالسيدة الزهراء (عليها السلام) فإنّها هي روح النبي المصطفى (صلوات الله عليه وآله)، ولكن ارتأت العتبة المقدسة أن تؤخر هذا الاحتفال عن الولادة الشريفة في العشرين من جمادى الآخرة، لبعض الاعتبارات، ولدمجه مع حفل بناتنا حفل التخرج، إن شاء الله تعالى نلتقي ببناتنا غدًا في احتفالهن الخاص، وهن يطوين سنوات الدراسة بتخرجهن إن شاء الله في حضرة أبي الفضل (عليه السلام).

حقيقة الحديث عن الزهراء (عليها السلام) حديث لا ينضب، ونحن كلنا فكّرنا في أن نتحدث عن السيدة الزهراء (عليها السلام)، بما يعطي صورة، وإن كانت إجمالية عنها فلن نوفق، لأنّ السيدة الزهراء (عليها السلام) لها شأن خاص، وهي ممن صنع التاريخ، وأنتم تعلمون أنّ بعض الشخصيات على مدار التاريخ هم صنعوا التاريخ، والكرة الأرضية حافلة بشخصيات أرسلها الله سبحانه وتعالى بشكل مباشر أو بالواسطة، وكان الهدف منها هو هداية الناس، فلا يوجد أحد أحرص على هداية الناس من الله تبارك وتعالى.

كلما مال الإنسان إلى غير الهدى، فرح الشيطان وأتباعه، وحزن الأنبياء وأتباعهم، وهذه معركة مستمرة منذ بدء الخليقة على الأرض، إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، وهي معركة شرسة، وكل فئة قد تهيأت بأدواتها، فرقة الحق المرتبطة بالله تبارك وتعالى قد هيأت أدواتها لذلك، وفرقة الشيطان وأتباعه أيضًا هيأوا أداوتهم لذلك، هذا يريد أن ينتصر وهذا يريد أن ينتصر، من يكسب المعركة في نهاية الشوط؟

نحن بني البشر الساحة التي يتصارع فيها هؤلاء الجنود، كل يريد أن يأخذنا إلى جانبه، لكن الغاية من الصراع تتفاوت بين الجانب الأول والجانب الثاني، غاية في منتهى التنافر، لا يجمعهما جامع، هؤلاء يريدون أن ينقذونا، وأولئك يريدون أن يذلونا ويظلونا، فالعاقل الذي أودع الله تعالى هذه الجوهرة فيه - وهي العقل - أعطاه هذه القدرة على أن يميز ويفرز الأمور، وإن كانت هي واضحة، لكن في بعض الحالات تشوبها بعض الشوائب، ويتلبس الباطل بالحق، وقد تضيع بعض المسارات عند البعض، وهذا العقل عليه دائمًا أن ينبّه، العقل لا يجرنا جرًّا، وإنما عليه أن يشخص وينبه، ويوقظ فينا اللحظات المهمة في حياتنا وينبه: اسلك هذا الطريق ولا تسلك هذا الطريق.

السيدة الزهراء (عليها السلام) كانت من بركات الله ومن نعمه على البشرية، ومن الشخصيات التي استفاد من اتبعها، استفادة جمّة في أن تريه الطريق الصحيح.

أنا لا اريد أن أدخل في سجال تاريخي، لا المكان ولا الزمان قد يسمحان الآن، لكن عليكم به، هناك حقائق قد تكون مخفية، فالإنسان بمقتضى انشغالاته في الحياة الدنيا لا يلتفت إلى بعض الأمور التي كان لها الأساس المهم والأول في أن يُؤخذ به إلى الهداية أو لا قدر الله يُؤخذ به إلى الضلال.

النبي (صلى الله عليه وآله) لا يوجد كائن خلقه الله أعلى وأشرف وأسمى منه (صلى الله عليه وآله)، أعلى شيء في مستوى البشر هو (صلى الله عليه وآله)، قد نتعامل نحن مع النبي (صلى الله عليه وآله) بشكل لا يتناسب مع عظمته، والقصور فينا، أمّا إذا تعاملنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) بما هو، فسنكتشف هناك أشياء جمّة ونكتشف مدى تقصيرنا.

أنبّه الإخوة والأخوات إلى أنّ فاطمة (عليها السلام) لها شأن خاص، الإمام الصادق (عليه السلام) عندما كان في العراق عندما أُشخص به، خلال فترة قليلة، ودخل عليه البعض وهو في حالة الغداء، وهنا سأذكر القصة بالمعنى لا النص، فالإمام (عليه السلام) قال له: تفضل كل معي، قال: لا أستطيع، فالإمام ألح عليه فجلس، والإمام رآه ليس في وضعه، فاستفسر الإمام (عليه السلام)، قال: كأني بك في حالة نفسية صعبة ما الخبر؟ قال: رأيت ضجة من الناس، حول قصة كأنها حدثت الآن، استفسرت قيل لي امرأة كبيرة عثرت، فعندما عثرت قالت: لعن الله ظالميك يا فاطمة، فيقول وصل هذا الخبر إلى بعض الشرطة، جاء الجلاوزة فأخذوا المرأة وسجنوها، عند سماع هذه القصة رفع الإمام يده عن الطعام، لم يستمر في الأكل، ثم بعد ذلك قال: قم بنا إلى مسجد السهلة - وهو مسجد عظيم- ذهبوا إلى مسجد السهلة، الإمام (عليه السلام) صلى ركعتين وأطال في سجوده، بعد ذلك رفع رأسه وقال: لقد أُطلق سراح المرأة، قصة لا أريد أن أسرد بقيتها وقد اختصرتها وذكرتها بالمعنى، لكن لاحظوا فعل الإمام (عليه السلام) مع جدته (عليها السلام)، بقى يلح على الله تعالى في الصلاة، وفي مسجد السهلة، الإمام كلّف نفسه أن يذهب إلى المسجد، وأن يصلي من أجل إطلاق سراح المرأة، لأنّها أحبت فاطمة (عليها السلام).

في الحقيقة أنّ السيدة فاطمة (عليها السلام) هي روح النبوة، هذا المهرجان إنما سُمي بذلك للحديث الشريف، أنا كلما استعرضت كيفية الدخول إلى ساحة فاطمة (عليها السلام)، واقعًا أنّ الإنسان يجد صعوبة في ذلك، لكن اهتديت إلى أنّه نبقى مع كلماتها، هي تعرّف عن نفسها، أو تعرّف عن أبيها، أو تعرّف عن زوجها، أو تعرّف عن الدين، ومن أحرى من الزهراء (عليها السلام) أن تقوم بهذا الدور؟!.

بالنسبة للأخوات وخاصة بالنسبة للدارسين في اللغة العربية وعلم البلاغة، اقرأوا الخطبة الفدكية، بعض الأخوات والإخوة وُفقوا لحفظها، وأعطتهم هذه الحالة طلاقة في البيان واللسان وفصاحة، الإنسان إذا لم يستطع أن يحفظها، لا أقل أن يقرأها ولا يركنها جانبًا، يفهم ما فيها، ففيها قوة في البلاغة، وقوة في المضمون، والمضامين لا يهتدي لقولها أي أحد، إنما هي مضامين قوية، وفي غاية الأهمية، تفتح الذهن إلى أبواب كثيرة من الهداية، ففي الخطبة الشريفة ذكرت أشياء مهمة ثم عطفت الكلام على أبيها (صلوات الله وسلامه عليهما).

من جملة ما قالته (عليها السلام)، قالت: " فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها، عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفانِها، فَأَنارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها "، التفتوا إلى مسألة الظلمة والنور، حتى بعض عباراتنا عن سيد الشهداء (عليه السلام) مثل (مصباح الهدى)، هذا التعبير، الله نور السماوات والأرض وأشرقت الأرض بنور ربها، هذا النور ليس له علاقة بالشمس، نور البصيرة يختلف عن نور البصر، التعبير بالنور مقابل الظلمة صحيح، لكن إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور، لابد من وجود نور أخر، الناس بالشرك كانوا يعيشون في النهار ويعيشون في الليل، لكن هو في النهار في ظلمة معنوية، لأنّ هذه الظلمة ليس لها علاقة بالشمس، إنما هي ظلمة البصيرة.

السيدة الزهراء (عليها السلام) حينما تقول: (أنار الله)، الله هو فاعل الإنارة، كيف أنار الله، قالت: أناره بمحمد (صلى الله عليه وآله)، ماذا أنار؟ أنار هذا الوجود ودفع الظلمة، أناره الله بأي شي ودفع ظلمها ؟ أنار الله بمحمد (صلى الله عليه وآله)، فوجود النبي (صلى الله عليه وآله) إنارة للوجود، وانقشعت الظلمة به، الناس كانت في فترة ظلام معنوي دامس، ممن كان على نهج الأنبياء وانحرف عنه، وهذه الظلمة تحتاج إلى من ينيرها، ويحولها إلى نور، لا يوجد أحد إلا النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله).

علينا أن نلتفت إلى نكتة مهمة، وهي أنّ إنارة الطريق لا يعني بالضرورة أنّ الناس ستسلكه، إذ إنّ هذا ينافي عقيدة الاختيار، إنارة الطريق تولد حجة من الله على العباد، فحين يفتش الإنسان عن الطريق الصحيح، عليه أن يبحث عن علامات ترشده إليه، فإذا رآها الإنسان سيقول هذا هو الطريق الصحيح، فإن لم يسلكها، فالظلامة كانت بسببه، ظلم نفسه، أوقعها في الظلمة أيضًا ولم يسلك الطريق الصحيح، فالعلامة موجودة، لكني لم أوفق لسلوكها، بخلاف إذا كان أي علامة غير موجودة، فسأبقى أتخبط، أنا طالب حق ولكن لا أهتدي إلى الحق!!، لا توجد علامة على ذلك، فوجود العلامة لا يعني بالضرورة اتخاذ القرار الصحيح بالسلوك فيه، تمهيد الطريق لا يعني أبدًا أنّ الناس جميعًا ستسلكه.

الله تعالى بمقتضى رحمته، والنبي (صلى الله عليه وآله) كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، وبمقتضى رحمته على أمته، لم يألوا جهدًا في نصب علامات متعددة، دائماً توصل الإنسان للطريق الصحيح، فكان يوصي بأن اختاروا هذا الطريق!، في كل مناسبة يبين لنا طريقًا واضحًا، اسلكوا هذا الطريق.

ثم جاء التراث الكثير، المحفوظ عند أمير المؤمنين وعند الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وأبرزوا هذا التراث في كل مناسبة أُتيحت، ومنه كمثال تسبيح الزهراء (عليها السلام) المشهور بعد الصلاة ، الآن كم يكلفنا وقتاً وجهداً؟!، شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يقومون به.

البركات التي في هذا التسبيح بركات كثيرة جدًا، بينما هو فعل واحد، لكن ماذا يعادل عند الله؟، موازين الله غير موازيننا إخواني.

مثلاً ورد في الأثر، يا علي لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، لاحظوا هذا، يعني خير من الدنيا كلها، الدنيا الآن ما هي ثرواتها الطبيعية؟ كبيرة جدًّا ونسمع الآن أرقام بعض الناس لديهم مثلاً من الثراء فنندهش، كونه مال كثير، الدنيا كلها لا تساوي هداية شخص واحد.

هذه موازين الله، ومهم جدًّا أن نفهمها، حتى عندما نعيش بالدنيا، كي نعرف المبدأ والمنتهى، كيف بدأنا وإلى أين سننتهي؟، إذ سننتهي إلى الممات شئنا أم أبينا.

لطيف أنّ بعض الناس ينفر من ذكر الموت، وهذا غريب، ففي بعض الثقافات يعتبرون أنّ هذا الذي يتكلم بالموت معقد، بينما هؤلاء في الواقع مساكين، لأنّهم لم يتأدبوا بآداب القرآن الكريم، ومعلوماتهم بعيدة أصلاً عن الله تعالى، فهل الإنسان الذي لا يذكر الموت لا يموت مثلاً؟!، وهل الذي يذكر الموت سيموت لساعته؟!، بالتأكيد هذه موازين غير منضبطة، ومن اخترعها إنما لأنّه يخشى من أعماله، فعندما يكون عملي غير جيد، سأخشى أن أموت لأنّي سأواجه حقيقة تلك الأعمال، وأنا على هذه الحالة، فيبدأ الشيطان يسوف إلى أن لا أستطيع أن أُحرك يدًا ولا رجلاً، عيني تدور وتبحث، هل يوجد من ينقذني، بالطبع لا يوجد أحد، وبالنتيجة سأنتهي إلى ذلك العالم، هذه حقائق أخواني لا تحتاج لبراهين ومعادلات رياضية، هذا هو الواقع.

السيدة الزهراء (عليها السلام) تريد أن تعزز فينا حالة الهداية، وكأنها تقول: اهتدوا، فكل الطرق موجودة، فقد ورد في مضمون الروايات الشريفة أنّ الله تعالى أشد فرحًا بالعبد إذا تاب، بل إنّ الله أشد فرحًا من العبد نفسه، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الله لا يحتاجنا، لكن لرحمته بنا، يفرح لتكاملنا ونجاتنا من هول الأخطاء في الدنيا والآخرة.

أنتم تعلمون لو أنّ كل الخلائق عصت وأخطأت، وذهبت إلى النار، فالله ما الذي يضرُّه؟ ولو أنّ كل الخلائق أطاعت وذهبت إلى الجنة، فالله ماذا سينتفع من ذلك هو الغني؟ فالله مستغن عن أي أحد كان، فهو بادئ الخلق وبيده ملكوت كل شيء.

فعندما تقول السيدة الزهراء (عليها السلام): (فأنار الله بمحمد -صلى الله عليه وآله- ظلمها وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها ) فالبهم عادةً هو الأمر المبهم، والأمر المبهم ممكن أن يعني (فيه مشكلات الأمور) فهذا تعبير أدق، أي أمر مشكل مبهم، فالنبي (صلى الله عليه وآله) فتح هذه القلوب وكشف عنها بهمها، وجلّى عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم.

فالنبي (صلى الله عليه وآله) أدّى ما عليه، وعلى الناس أن تتخذ القرار، لأنّنا لا نؤمن بقضية الإلجاء والقسر في الهداية، فلكم ما كسبتم، فنحن بعد أن تنكشف الأمور لدينا بالبصيرة، علينا نحن أن نحرك أرجلنا إلى طريق الهداية، فلله الحجة البالغة.

السيدة الزهراء (عليها السلام) تقول: أدّى أبي ما عليه، فبيّن هذه الأمور، الإنارة والكشف، (وَجَلَّى عَنِ الْأَبْصَارِ غُمَّمَهَا)، تعبيرها الشريف، يعني (فجلّا، أي وضّح وكشف الغمم)، فلم يبقِ (صلى الله عليه وآله) شيئًا إلا بيّنه لهداية الناس في هذه السيرة العظيمة، سيرة النبي (صلى الله عليه وآله).

أنا أتكلم دفاعًا عن النبي، نحن عندنا قرآن وسيرة كُتبت بأيدي الناس، والقرآن ميزان الصحيح منها من السقيم، فبعض ما موجود في السيرة لا يمكن أن نقبله أصلاً، لأنّه يتنافى مع قداسة النبي (صلى الله عليه)، بل هو أبدًا غير مقبول.

قرأنا في المدارس ولعل بناتي وأخواتي مرّوا بذلك أيضًا، أنّ النبي جاء إلى السيدة خديجة ليستفهم منها أنّ ما جاءه هو الوحي أم غيره؟ وأنّها بحسب السيرة تريد أن تكتشف أنّ الذي جاء أنّه وحي أم لا؟ من خلال اختبار، فكأنّها قالت أن تجري اختبارًا، بأنّ تكشف شعرها في لحظة قدوم الملاك، فهذا الذي جاءك إذا رأى شعري وغاب، يعني أنّه ملك، وإذا بقى عندك فهذا الشيطان، كيف يُعقل هذا وهو خلاف القرآن، وهو ما ورد في السيرة.

السيدة خديجة من النساء الكبريات ومن أهم أربع نساء في العالم، لكنها قطعًا تقصر عن تعليم النبي (صلى الله عليه وآله)، فهل يمكن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا يعلم أنّ الذي جاءه شيطان ملك؟ بحيث يحتاج للذهاب إلى السيدة خديجة، وهي تذهب إلى بعض أقاربها ليكتشفوا أنّ الذي جاء ملك، كيف يصح هذا الكلام أخواني؟ بينما ورد عندنا في صحيح الحديث، ما مضمونه ( أنا نبي وآدم بين الماء والطين قبل 4 آلاف سنة).

هذا النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يعلّم قومه الكتابة والحكمة، فكيف أنّ النبي هو الذي يريد أن يتعلم من أحد؟ فهذه القصة في الوقت الذي كأنّها فضيلة إلى خديجة (عليها السلام)، هي منقصة للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولا يمكن أن نقبل أي منقصة للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولا يمكن مهما تكون عظمة من التصق بالنبي (صلى الله عليه وآله)، لو كانت على حساب النبي لا يمكن.

النبي (صلى الله عليه وآله) هو الأول، وما بعده في طوله وليس في عرضه، وكل ما كان مع النبي يُقدس، كل ما كان خارج النبي لا يُقدس، الزهراء (عليها السلام) تبيّن هذه الشخصية عظيمة، فأنار الله، ثم وكشف عن القلوب كما قلنا بُهمَها، وجلّى عن الأبصار غممَها، لاحظوا، (وَقَامَ في النّاسِ بِالهِدايَةِ، وأنقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ)، هذا الدور جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، فبناء على ذلك ماذا ننتظر؟ علينا أن نتبع سنة النبي (صلى الله عليه وآله).

قلت لكم، لا أريد أن أدخل في تاريخ بعض الأمور، لكنها مهمة فابحثوا عنها، فالسيدة الزهراء (عليها السلام) عملت شيئًا لم يستطع أحد أن يعمله، لا لقربها فقط من النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا لأنّها زوجة أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل لأنّها السيدة العظيمة الزهراء، لأنّها فاطمة (عليها السلام)، هذا الكيان الخاص، كيان استثنائي، قادر على أن يفعل أشياءً لا يستطيع أن يفعلها الآخرون، لاستثنائية خلقة الزهراء (عليها السلام).

والنبي عندما يقول هي روحي التي بين جنبي، ليست جنبًا عاطفيًّا، فالآن أنت وأنتِ أيها المؤمنون عندما تحبون ابنتكم، عبّروا ما شئتم عنهم من باب العاطفة والأمومة وهذا صحيح، لكن من النبي (صلى الله عليه وآله) عندما تخرج هذه العبارة (روحي التي بين جنبي)، ثم يُصعّد النبي (صلى الله عليه وآله) الخطاب (من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله)، معناها أنّ هناك ربطًا بين السماء والأرض بفاطمة (عليها السلام)، ربطًا بين السماء والأرض من خلال فاطمة (عليها السلام).

هذه قصة سأنقلها بالمعنى لا بالنص، يدخل أحدهم على الإمام قال: وُلدت لي وليدة، قال: ما أسميتها؟ قال: أسميتها فاطمة، الإمام (عليه السلام)، قال لا تضربها، لا تُهنها، اسم فاطمة مقدس عند الإمام.

لذلك أخواتي الكريمات، كل من يحمل اسم فاطمة ومشتقاتها، حقيقة احرصوا على أنّ هذا الاسم لا يُدنس، بمقدار الوسع، هذا الاسم ومشتقاته.

بهذا المقدار أكتفي، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن على الحضور الكريم، وعلى بناتنا العزيزات، وعلى أخواتنا الفاضلات، وعلى القائمات على هذا المهرجان المبارك، أسأل الله تعالى لهم دوام التوفيق والتسديد، بمحمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
صور من الخبر