الاخبار
كفوف العطاء… حين امتدت المرجعية العليا من النجف الأشرف إلى بيوت الصابرين
2026/01/19
في استذكارٍ لمرحلةٍ مفصلية من تاريخ العراق الحديث، تعود إلى الواجهة واحدة من الصفحات الإنسانية المضيئة التي سطّرتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف إبّان سنوات مقارعة قوى الظلام والظلم، حين لم تقتصر رعايتها على توجيه البوصلة في ميادين القتال، بل امتدت كفوف عطائها إلى بيوت عوائل الشهداء، تثبّت الجراح، وتؤكد أن دماء التضحيات لم تُترك للنسيان.
فبتوصية مباشرة من مكتب المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، تشكّلت لجان رعاية ذوي الشهداء في بغداد والمحافظات، لتكون ذراعًا إنسانيًا وأخلاقيًا يواكب فتوى الدفاع الكفائي، ويجسّد معناها الاجتماعي، عبر الوقوف الميداني على أحوال عوائل الشهداء وتلبية احتياجاتهم، وحفظ كرامتهم في أصعب الظروف.
وفي محافظة بابل، سجّلت لجنة رعاية عوائل الشهداء واحدة من تلك الوقفات المعبّرة، حين نفّذت خلال أيام من شهر صفر عام 1438هـ زيارات تفقدية شملت عشرات العوائل في مدينة الحمزة الغربي، ناقلةً سلام المرجعية وتعازيها واهتمامها، ومؤكدة أن تضحيات أبنائهم كانت وما زالت محل فخر واعتزاز المرجعية والأمة جمعاء.
ورافقت اللجنة في مهامها مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية التابعة لمكتب المرجع الديني الأعلى، اذ جرى الاطلاع على الأوضاع المعيشية والصحية والتعليمية للعوائل، والاستماع إلى رواياتهم التي اختلط فيها الصبر بالفخر، والدمعة باليقين، وهم يستحضرون بطولات أبنائهم الذين لبّوا نداء الواجب دفاعًا عن الدين والمقدسات والأرض.
وفي تلك البيوت، لم تكن كلمات العزاء وحدها حاضرة، بل ارتفعت عبارات الرضا والتسليم؛ أمٌّ تقول: "ابني فداء للإمام الحسين"، وأخرى تؤكد: "هنيئًا له الجنة"، فيما شدّد الآباء على أن المعركة كانت معركة وجود، وأن ما قُدّم من تضحيات هو أقلّ ما يُبذل دفاعًا عن الكرامة والعقيدة.
كما استُحضرت خلال الزيارات صور خالدة من مواقف الشهداء، الذين عادوا إلى ساحات القتال استجابة لفتوى الدفاع الكفائي، أو رفضوا مغادرة مواقعهم رغم الجراح، أو ودّعوا عوائلهم بكلمات الاطمئنان والإيمان، ليكتبوا بدمائهم فصولًا من العزة والوفاء.

واليوم، إذ يُستعاد هذا المشهد تحت عنوان "كفوف العطاء"، يتجدد التأكيد على أن المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف لم تكن يومًا مرجعية فتوى فحسب، بل مرجعية رعاية ومسؤولية، جمعت بين توجيه الأمة في ساعات الخطر، واحتضان عوائل الشهداء في لحظات الفقد، لتبقى تلك الكفوف عنوانًا للوفاء، وذاكرةً حيّة لا تُمحى من وجدان العراقيين.
_________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، لجنة رعاية عوائل الشهداء الجزء29، ص65-66.
صور من الخبر