كفوف العطاء للمرجعية العليا… يدٌ تقاتل وأخرى تمسح دموع عوائل الشهداء
2026/01/16
في أكثر الأيام قسوةً على العراقيين، حين اشتدّ سواد الإرهاب وارتفعت كلفة البقاء على قيد الوطن، لم يكن العراق وحيداً.
كانت النجف الأشرف، بمرجعيتها الدينية العليا، حاضرةً كعادتها في اللحظة الأصعب؛ يدٌ تمتد إلى جبهات القتال تحمي الأرض والعِرض والمقدسات، ويدٌ أخرى تطرق أبواب بيوت الشهداء، تمسح وجع الفقد، وتعيد للبيوت المنكوبة شيئاً من الطمأنينة والكرامة.
لقد لبّى أبناء العراق نداء المرجعية العليا بنداءٍ صار عنوان مرحلة: «لبيك يا عراق»، فانطلقت القوافل نحو المناطق الغربية لتحرير الأرض، وإنقاذ النساء والأطفال من قبضة العصابات الإرهابية، فيما بقيت المرجعية، بثباتها المعهود، تسند الجبهة الداخلية، وتتكفّل بعوائل من قدّموا أغلى ما يملكون.
وفي هذا الإطار، وضمن نهج كفوف العطاء الذي دأبت عليه المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، قام وفد من اللجنة المكلفة من قبل مكتب المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف)، يرافقهم مندوبو مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية التابعة للمكتب، بزيارة عدد من عوائل الشهداء السعداء، شهداء الوطن والعِرض والمقدسات.
وشملت الزيارة (10) عوائل من عوائل الشهداء في مدينة الشعلة بالعاصمة بغداد، في خطوة تجسّد الاهتمام الأبوي المباشر لعوائل الشهداء، والحرص الدائم على متابعة أوضاعهم المعيشية والإنسانية.
ونقل الوفد، خلال اللقاءات، تأكيد المرجع الديني الأعلى حرصه الشديد على أن تكون عوائل الشهداء في أفضل حال، وأن تُوفَّر لهم كل سبل الحياة الكريمة، باعتبارهم أمانة في أعناق الجميع، وثمرة تضحيات عظيمة كُتبت بدماء طاهرة.
من جانبهم، عبّر ذوو الشهداء عن بالغ شكرهم وامتنانهم لهذه الرعاية الخاصة، مؤكدين أن التفاتة المرجعية تمثّل لهم دعماً معنوياً كبيراً، ورسالة وفاء لا تنقطع، وأنهم يفتخرون بما قدّمه أبناؤهم استجابةً لفتوى المرجعية الدينية العليا.
وفي حديث مؤثر، قال والد الشهيد السعيد جعفر صادق علي الزيادي: "نحن قدّمنا أعزّ ما نملك، ونحن فخورون بذلك، وبدون أي تردد أو ندم، لأنها فتوى المرجعية، وأبناؤنا لبوا النداء بدافع ديني ووطني".
أما والد الشهيد السعيد محمد رحيم أمين الشمري، فقد استعاد واحدة من أصدق صور التضحية، قائلاً:
"كنت مع ولدي في المعركة؛ أنا متطوّع ضمن صنف الطبابة، وولدي في الجهد الهندسي. كان من أوائل المتقدمين في كل معركة لتفكيك المفخخات. وحين نال وسام الشهادة كنت معه، وأنا من حملت جثمانه وعدت به إلى البيت، وأنا فخور به. كان من أوائل الذين لبّوا نداء المرجعية، والحمد لله".
هكذا تمضي المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، ثابتةً على نهجها، تقاتل حين يجب القتال، وتواسي حين يحين وقت الجبر، لتبقى كفوفها ممتدة بالعطاء، وضميرها حاضراً في كل معركة، حتى لا يُترك بيت شهيدٍ وحيداً، ولا تُنسى تضحيات كُتبت لتبقى في ذاكرة الوطن.
_____________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 16، ص 61-62.