كفوف العطاء
من ميادين التضحية إلى بيوت الصابرين… كفوف المرجعية تحتضن عوائل الشهداء في محافظة بابل
2026/01/18

في ذروة الأيام العصيبة التي واجه فيها العراق قوى الظلام والظلم، لم تكن المعركة مقتصرة على جبهات القتال فحسب، بل امتد أثرها إلى جبهة إنسانية وأخلاقية حملت عبئها لجان رعاية ذوي الشهداء في المحافظات، استجابة لتوصية مكتب المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، التي شكّلت منطلقاً وطنياً وأخلاقياً لحشد المجتمع في رعاية عوائل من قدّموا أغلى ما يملكون دفاعاً عن الدين والوطن والمقدسات.
وكان للجنة رعاية ذوي الشهداء في محافظتي بابل وكربلاء حضورٌ فاعل يوازي في الجهد والمضمون ما قامت به لجنة بغداد، إذ جسّدت عملها الميداني بروح المسؤولية والالتزام، مستلهمة نهج المرجعية الدينية العليا في الوقوف إلى جانب عوائل الشهداء، وتثبيت قيم الوفاء والعرفان.

وفي هذا السياق، قامت اللجنة وبتاريخ (6–8) من شهر صفر 1438هـ، بتنفيذ زيارة تفقدية شملت (29) عائلة من عوائل الشهداء في منطقة مشيمش بمدينة الحمزة الغربي التابعة لمحافظة بابل، وذلك بالتنسيق مع مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية التابعة لمكتب المرجع الديني الأعلى سماحة السيد السيستاني (دام ظله).

وخلال الزيارة، نقلت اللجنة سلام وتعازي ودعاء واهتمام المرجعية الدينية العليا، عرفاناً منها بما قدّمته دماء الشهداء من أثر عظيم في حفظ البلاد وصون مقدساتها ورفع شأن العراق وأبنائه، فيما دار حديث إنساني مؤثر مع ذوي الشهداء الذين استعادوا صوراً خالدة من مواقف أبنائهم في ساحات الشرف.

ومن تلك الصور، ما رواه والد الشهيد حيدر عباس مخيف، حين قال إن المسؤول العسكري طلب من ولده الانسحاب إلى موقع أكثر أمناً، لكنه رفض ذلك بعد يومين قائلاً: «أنا رجل ساتر، ولا أرضى لنفسي أن أبقى في البيت»، فعاد إلى موقعه لينال وسام العز والخلود.

وفي صورة أخرى، استذكرت العائلة موقف الشهيد منذور سليم عبد، الذي كان صائماً مع رفاقه في ظروف بالغة الخطورة والعطش، وحين حلّ وقت الإفطار استلهم سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، فخرج لجلب الماء لرفاقه، إلا أن القدر شاء أن يعود إليهم شهيداً مضمخاً بدمه قبل أن يصل.

كما استحضرت اللجنة قصة الشهيد ماهر مجول، الذي كان يقف بين الحين والآخر خطيباً في رفاقه قائلاً: «إن هذه الجنة وتلك النار، فوالله لا أفارق الجنة»، رافضاً ترك موقعه أو العودة إلى منزله، حتى عاد إلى أهله متطيباً بمسك الشهادة.

وفي ختام الزيارة، حمّل أحد آباء الشهداء اللجنة مسؤولية نقل سلامه ودعائه إلى المرجعية الدينية العليا، مؤكداً أن: «المعركة معركة وجود، وما دامت كذلك فهي تستحق منا كل التضحيات».

وتبقى هذه الجهود شاهداً حيّاً على أن دماء الشهداء لم تُنسَ، وأن وصية المرجعية الدينية العليا تحولت إلى فعلٍ ميداني يرعى، ويواسي، ويحفظ كرامة عوائل من كتبوا بدمائهم تاريخ العزة والكرامة.
صور من الخبر