كفوف العطاء
لجنة رعاية عوائل الشهداء في النجف والديوانية… وفاءٌ متواصل لوصايا المرجعية العليا (الجزء الثاني)
2026/02/11
لم تكن الزيارة التي قامت بها لجنة رعاية عوائل الشهداء في محافظة القادسية مجرّد واجبٍ بروتوكولي، بل كانت محطةً إنسانيةً مشبعةً بروح الوفاء والالتزام، حملت بين طيّاتها رسائل العزاء والمواساة من سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه) إلى أكثر من (27) عائلة في ناحية السدير التابعة لمحافظة القادسية، بالتنسيق مع مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية – فرع القادسية.
العوائل التي شملتها الزيارة تنتمي إلى شهداء الجيش والشرطة وسبايكر والحشد المقدس، أولئك الذين كتبوا بدمائهم فصول الصمود في أحلك مراحل الوطن.
وقد كان لنقل تعازي المرجعية العليا، وإبلاغها شديد اهتمامها واعتزازها بتضحيات أبنائهم، وقعٌ بالغ في نفوس ذوي الشهداء، إذ استقبلوا الوفد بحفاوةٍ امتزجت فيها دموع الفخر بمرارة الفقد.
واعتبرت العشائر الكريمة هذه الالتفاتة الأبوية من سماحته المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه) تكريمٍ لهم، مؤكدين أنهم سيبقون أوفياء لنهج التضحية، وأنهم على استعدادٍ لتقديم الأموال والأنفس والأبناء دفاعًا عن الدين والوطن والمقدسات.
ومن المشاهد المؤثرة في تلك الزيارة، أن إحدى الأمهات المفجوعات بفلذة كبدها استقبلت الوفد بثباتٍ يليق بأم شهيد، وهي تردد: "ولدي فداء للدين، فداء للأرض، فداء للعراق… المقدسات أغلى من أولادنا، وسنبقى نضحي من أجل سلامتها".
كلماتها لم تكن مجرد عبارات عزاء، بل كانت بيانًا صادقًا عن مدرسةٍ تربّت على الولاء واليقين، مدرسةٍ ترى في الشهادة رفعةً لا خسارة.
وفي منزلٍ آخر، تسابق شيوخ العائلة للحديث بحماسةٍ وغيرةٍ صادقة، مؤكدين أن الفتوى المباركة كانت صمام الأمان، وأن دماء الشهداء هي التي صانت المقدسات والأعراض والأنفس، مرددين: " لولا تلك التضحيات لما بقي لنا شيء… أبناؤنا فداء للوطن ومرجعيتنا".
ومن بين القصص التي روتها العوائل، برزت حكاية أحد الشهداء الذي ما إن سمع بتعرّضٍ إرهابي على قاطع مسؤوليته، حتى قطع إجازته الاعتيادية وعاد مسرعًا إلى ساحة الواجب دون أن يُخبر أحدًا سوى أخيه، وعند وصوله، وجد الهجوم يستهدف وحدةً مجاورة، فاندفع بكل حميةٍ وشجاعة ليتصدى للعناصر الإرهابية، وتمكن من قنص (8) منهم، وغنم أربع قطع سلاح، رغم إصابته بجراحٍ خطيرة.
رفض الإخلاء، وأصرّ على مواصلة الدفاع عن إخوانه حتى ارتقى شهيدًا، تاركًا خلفه سيرةً تُدرّس في ميادين الفداء.
كما روت إحدى العوائل قصة شهيدٍ آخر التحق بوحدته صائمًا في الشهر الفضيل، وبعد رحلة سفرٍ متعبة، أصرّ على تسلّم الواجب بدلًا عن إخوته، رافضًا الراحة، ولم تمضِ ساعات حتى فجّر إرهابي صهريجًا مفخخًا عند نقطته، فارتقت روحه الطاهرة إلى بارئها، صائمًا محتسبًا، ليُكتب في سجل الخالدين.
إن هذه الزيارات التي تقوم بها لجنة رعاية عوائل الشهداء ليست مجرّد لقاءات، بل هي تجديدٌ للعهد مع الدماء الزكية، وتأكيدٌ أن المرجعية العليا لم ولن تنسى أبناءها الذين لبّوا نداء الواجب.
إنها "كفوف العطاء" التي تمتد لتربت على أكتاف الصابرين، وتقول لهم بوضوح: إن تضحياتكم أمانةٌ في أعناقنا، وذكراهم ستبقى حيّة في ضمير الأمة وذاكرتها.
________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 29، ص75-76.
تحرير اكرم علي الداوودي
صور من الخبر