ارتقى في مثل هذا اليوم.. الشهيد الشيخ عباس خلف عبد العالي الإبراهيمي
2026/02/11
وُلد في بيئةٍ عُرفت بثباتها ومقارعتها للنظام البائد، فكان انتماؤه الأسري رافدًا مبكرًا لتكوينه العقائدي، ومصدرًا لغرس محبة العترة الطاهرة والالتزام بخدمة المنبر والمجالس الحسينية. نشأ على روح الخدمة والمسؤولية، وتدرّج فيها حتى أصبح خطيبًا حسينيًا، ومنخرطًا في موكب لواء الحسين، عُرف بين رفاقه وأبناء مدينته بحسن الخلق والنخوة والتواضع، فحاز محبتهم وثقتهم.
في مساره العلمي، تنقّل الشهيد بين الدراسة الأكاديمية والخدمة العسكرية ضمن صفوف الجيش العراقي، ثم توجّه إلى الدراسة الدينية في النجف الأشرف طلبًا للعلم الشرعي. غير أنّ تحوّلات المرحلة ونداء المرجعية العليا شكّلا منعطفًا حاسمًا في حياته؛ إذ آثر تلبية فتوى الجهاد، مستندًا إلى وعيٍ رساليٍّ واضح، ودعمٍ أسريٍّ صريح، عبّر عنه والده بالتشجيع والالتزام بمضامين الفتوى التي دعت الآباء إلى دفع أبنائهم لنصرة الدين والوطن.
التحق الشهيد بساحات الواجب مع أقاربه ورفاقه، وشارك في عددٍ من قواطع العمليات، مسهمًا بفعالية في معارك اللطيفية والضابطية، وعزيز بلد والرفيعات، وقاطع صلاح الدين في مكيشيفة وحيّ الطين والكرمة والثرثار. تميّز بدوره القتالي قنّاصًا، وكان ينهض عند اشتداد المواجهات بواجباتٍ إضافية ضمن سلاح BKC. وإلى جانب ذلك، أدّى دورًا معنويًا مؤثرًا في تثبيت عزائم إخوته المجاهدين، مستحضرًا البعد العقائدي في مواجهة خوارج العصر، ومؤكدًا معنى الصمود حتى النصر.
في معركته الأخيرة، عاد الشهيد إلى الميدان رغم حداثة خضوعه لعمليةٍ جراحية، فقطع إجازته والتحق برفاقه في قاطع الثرثار. وخلال اشتباكٍ مباشر، وبعد توقّف سلاحه ومحاولته استبداله، تعرّض لإصابةٍ أدّت إلى ارتقائه شهيدًا، ليكون أول شهيد في قريته (آل بو حمودي). وقد كُرّم لاحقًا بالعمامة الحوزوية من قِبل سماحة السيد السيستاني (دام ظله)، تقديرًا لمكانته وسيرته، رغم عدم إكماله الدراسة الدينية.
خلّف الشهيد أثرًا عميقًا في الوسط الحوزوي؛ إذ شارك أساتذته ورفاقه من طلبة العلم في تشييعه ومجالس عزائه، معبّرين عن حزنٍ صادق لفقده، ومؤكدين ما كان يتمتّع به من شجاعةٍ وموقفٍ ومسؤولية. وعلى الصعيد الأسري، رُزق بعد استشهاده بمولودة سُمّيت رقية، تعبيرًا عن تعلقه بالسيدة رقية (ع) التي كان يستحضر مصيبتها في مجالسه، فيما يردّد ابنه ذو الأعوام الثلاثة عند رؤية صورة والده أنّه «في الجنة»، شهادة براءةٍ تختصر معنى الفقد والخلود.
بهذه السيرة، تتجلّى تجربة الشهيد الشيخ عباس الإبراهيمي نموذجًا للانتقال الواعي من طلب العلم إلى واجب النصرة، حيث تلازم الفهم العقائدي مع الفعل الجهادي، في مسارٍ اتسم بالاتزان والالتزام والصدق.