كفوف العطاء… لجنة رعاية عوائل الشهداء في النجف والديوانية… وفاءٌ متواصل لوصايا المرجعية العليا (الجزء الخامس)
2026/03/22
حين تتقدّمُ الدماءُ لتكتبَ تاريخ الأوطان، لا تتركُ خلفها فراغًا، بل تخلّفُ مسؤوليةً أخلاقيةً وإنسانيةً كبرى، تتكفّل بها المرجعية الدينية العليا، التي لم تكن يومًا بعيدةً عن وجع الناس، ولا غافلةً عن دموع الأمهات، ولا عن أنين الجرحى. فكما كانت الفتوى المباركة شرارةَ الدفاع، كانت رعايةُ عوائل الشهداء والجرحى امتدادًا حيًّا لتلك المسؤولية، تُجسّدُ معنى الأبوة الروحية، وتُرسّخُ مفهوم الوفاء لمن بذلوا الأرواح دفاعًا عن الوطن والمقدسات.
وفي هذا الإطار، واصلت اللجنة المكلفة من قبل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف جولاتها الميدانية في محافظة القادسية، حيث جابت مناطق ناحية سومر، عشائرها وقراها، ولم تكتفِ بالمراكز، بل وصلت إلى أطرافها القصية، لتطرق أبواب البيوت التي سكنها الحزن، وتحيي فيها معنى العزاء المقرون بالعزة.
ففي كانون الاول 2016م، زارت اللجنة (14) عائلة من عوائل الشهداء، برفقة عدد من الفضلاء والموظفين وجمع من المؤمنين، ناقلين سلام المرجعية الدينية العليا (أدام الله ظلّها) وتعازيها ومواساتها، في مشهد يختزل عمق العلاقة بين المرجعية وأبناء المجتمع، ويعيد رسم صورة التكافل الإيماني بأبهى صورها.
ولم تكن هذه الزيارات مجرد واجب بروتوكولي، بل كانت وقفات إنسانيةً حافلةً بقصص التضحية والفداء، التي تختزنها بيوت الشهداء.
فمن بين تلك القصص، برزت سيرة الشهيد (عصام حمزة علي) ذلك العسكري الذي عرف بأخلاقه الكريمة وصفاته الحميدة، إذ ترك الخدمة العسكرية في وقت سابق، لكنه عاد إليها بعد صدور الفتوى المباركة، رغم معارضة أهله وذويه، مرددا: "لن أترك الواجب والدفاع المقدس".
ولم تكن كلماته مجرد شعار، بل كانت نبوءة صادقة، إذ أُصيب برصاصة في جبهته، ليلتحق بركب الشهداء السعداء، مخلداً موقفا يجسد أعلى مراتب الإخلاص.
أما الشهيد (علي عبد علي برسيم) فقد خطّ قصةً أخرى من قصص العطاء الصامت، إذ كان يعمل في مهنة البناء ليساعد عائلته الفقيرة، قبل أن يلتحق بالجيش، ويواصل مسيرته حتى نال شرف الشهادة.
رحل أعزب، لكنه ترك في قلوب أبناء منطقته أثراً عميقاً، لما عرف عنه من طيب الخلق ونقاء السريرة.
وفي مشهد آخر من ميادين البطولة، يبرز اسم الشهيد (عماد جواد كاظم) أحد منتسبي الشرطة الاتحادية، الذي جسد معنى الوفاء للوطن بأبهى صوره.
فعند نقله إلى قاطع عمليات تكريت، حاول ذووه ثنيه عن الذهاب نظراً لخطورة الأوضاع، لكنه رفض، مقدما حب الوطن على كل اعتبار.
كان يقظاً، حذراً، ومثابراً في أداء واجبه، حتى جاءت لحظة المواجهة الكبرى، حين شن الإرهابيون هجوماً واسعاً، فتصدى لهم ببسالة، متكفلا بتأمين انسحاب زملائه، حتى تكاثر عليه العدو، ليرتقي شهيداً، تاركاً درساً خالداً في التضحية.
ومن بين تلك الصفحات المشرقة، تبرز أيضاً قصة الشهيد (مصطفى محمد عبد المحسن)، أحد منتسبي الجيش، الذي لم تثنه الإصابات المتكررة عن مواصلة طريقه، إذ جرح ثلاث مرات، لكنه أصر على البقاء في ساحات القتال.
وفي إحدى المرات، تمكن من إنقاذ خمسة من زملائه بعد أن حوصروا، رغم إصابته في ساقه.
وتروي عائلته تفاصيل مؤلمة حين رفض أحد الأطباء إخراج رصاصة استقرت في فخذه إلا مقابل مبلغٍ مالي كبير، لم يكن يملكه، فعاد إلى أهله وهو يحمل جرحه، حتى تمكن أحد المضمدين من إخراجها بعد معاناة. ومع ذلك، لم يتراجع، بل أصر على العودة إلى ميادين الدفاع، حتى نال وسام الشهادة.
إن هذه الجولات الميدانية، بما تحمله من تواصل مباشر مع عوائل الشهداء، تمثل تجسيداً عملياً لوصايا المرجعية الدينية العليا، التي أكدت مراراً على ضرورة رعاية هذه الشريحة الكريمة، وعدم تركها تواجه مصيرها بمفردها. وهي رسالةٌ واضحة بأن الدماء التي روت أرض العراق، لن تنسى، وأن عوائل الشهداء ستبقى في صدارة الاهتمام، عرفانا بتضحيات أبنائها.
وهكذا، تستمر "كفوف العطاء" في أداء رسالتها، حاملةً معها نبض المرجعية، وصوتها الإنساني، لتؤكد أن الوفاء ليس شعاراً يرفع، بل نهج يمارس، ومسؤوليةٌ لا تسقط مع الزمن.
_________________________________________________________
المصدر : موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 29، ص83.
تحرير اكرم علي الداوودي