كفوف العطاء: لجنة رعاية عوائل الشهداء في النجف والديوانية… وفاءٌ متواصل لوصايا المرجعية العليا (الجزء السادس)
2026/03/28
نستذكر حدثاً إنسانيا خالداً جسد عمق الرعاية الأبوية التي أولتها المرجعية الدينية العليا لعوائل الشهداء، حين واصلت لجنة رعاية عوائل الشهداء في محافظتي النجف الأشرف والديوانية، بتاريخ (16 كانون الثاني 2017م) الموافق (17 ربيع الثاني 1438هـ)، زياراتها الميدانية لتفقد عوائل الشهداء في ناحية الحرية بمحافظة النجف الأشرف، برفقة مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية.
وشملت الزيارة (26) عائلة من العوائل المضحية التي قدّمت فلذات أكبادها دفاعًا عن الوطن والمقدسات، حيث نقلت اللجنة لهم سلام المرجعية الدينية العليا وتعازيها ومواساتها العميقة، مؤكدةً استمرار رعايتها واهتمامها بأبناء الشهداء وأيتامهم، واستذكارها الدائم لتضحياتهم التي سطّرت أنصع صفحات الفداء.
وقد عبّرت العوائل الكريمة عن بالغ امتنانها لهذه الالتفاتة الإنسانية، مشيدةً بدور المرجعية بوصفها الراعي الحقيقي لها، ومؤكدةً أنها لم تجد هذا الاهتمام والمتابعة من أي جهة أخرى، فيما حمّلت اللجنة سلامها وولاءها للمرجعية، مجددةً العهد بالسير على نهج الشهداء والاستجابة لنداء الوطن والعقيدة.
وفي ثنايا هذه الزيارة، برزت قصص مضيئة من سِيَر الشهداء، الذين تحوّلوا إلى رموزٍ خالدة في الوعي الجمعي، ومنهم الشهيد صاحب عبد الكاظم، الذي عُرف بتفانيه وخدمته وحرصه على نيل الشهادة، حيث كان يقبّل يد والدته طالبًا دعاءها، وقد ختم حياته بإقامة مجلس عزاء للإمام الحسين (عليه السلام) قبيل استشهاده بنصف ساعة، ليرحل بعدها شهيدًا سعيدًا.
كما يُستذكر الشهيد عصام محمد نور، أحد المهجّرين من أبناء التركمان، الذي جسّد معنى الصبر والثبات رغم إصابته السابقة في تفجير انتحاري في تلعفر، والذي فقد فيه شقيقه، ورغم عجزه الجسدي الذي بلغ (65%)، واصل جهاده حتى نال وسام الشهادة.
أما الشهيد عباس كريم يحيى، فقد سطر مواقف بطولية في ميادين القتال، حيث تصدى للمفخخات وأنقذ رفاقه، مؤثرًا حياتهم على حياته، ليغادر بعدها الدنيا مكللًا بالشهادة.
وكذلك الشهيد عبد الزهرة مرزوك، الذي مثّل نموذجًا في النقاء والصدق، فكان خروجه من الدنيا شهادةً تطهّر بها من أدرانها.
ويُذكر أيضًا الشهيد علي محسن، الذي عُرف بأخلاقه الرفيعة ومواظبته على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث لبّى نداء الدفاع بإخلاص حتى ارتقى شهيدًا، وعلى النهج ذاته مضى الشهيد محمد جاسم، الذي آثر أخاه على نفسه ليلة زواجه، تاركًا له غرفته، ومتوجهًا إلى ساحات القتال حتى نال الشهادة.
ومن المواقف المؤثرة، ما يُروى عن الشهيد وليد ناظم، الذي كان يتابع خطبة الجمعة من الحرم الحسيني الشريف، وما إن سمع نداء المرجعية للدفاع، حتى نهض واقفًا ملبّيًا النداء، ليكون من السائرين في درب التضحية والفداء.
إن استذكار هذه المحطات ليس مجرد توثيقٍ لحدثٍ مضى، بل هو تجديدٌ للعهد مع الدماء الطاهرة، واستحضارٌ لقيم الوفاء التي جسدتها المرجعية الدينية العليا عبر برامجها الإنسانية، وفي مقدمتها “كفوف العطاء”، التي بقيت شاهدةً على أن رعاية عوائل الشهداء ليست واجبًا عابرًا، بل مسؤولية مستمرة تحفظ كرامتهم وتصون تضحياتهم في ذاكرة الوطن.
_______________________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 29، ص84-85.