كفوف العطاء
المرجعية العليا بين ساحات القتال وبيوت الشهداء: مسيرة وفاءٍ صنعت النصر
2026/04/04

في مشهد يختزل أعظم معاني التضحية والوفاء، لم تكن فتوى الدفاع الكفائي مجرد نداءٍ للقتال، بل مشروعَ أمة نهضت بقيمها، اذ امتزجت بنادق المقاتلين بدموع المواساة، وتلاقت على أرض العراق يد تقاتل على السواتر، وأخرى تمتد لتضمد جراح العوائل وتشد من أزرها.
وبينما كان أبطال الفتوى والقوات الأمنية يسطرون ملاحم الصمود في ميادين القتال، كانت المرجعية الدينية العليا ترسم ملامح إنسانية ناصعة، مؤكدة أن معركة الدفاع عن الوطن لا تنفصل عن رعاية من قدموا أرواحهم فداءا له.
ويستذكر موقع فتوى الدفاع الكفائي الجهود الكبيرة التي بذلتها المرجعية العليا خلال سنوات دحر الإرهاب، إذ شهد يوم 28 كانون الثاني 2016 محطة إنسانية مؤثرة مكمله لسابقها، حين حطّت لجنة رعاية عوائل الشهداء النجف والديوانية، المشكلة من قبل مكتب المرجعية الدينية العليا لسماحة السيد علي السيستاني (دام ظله)، رحالها في ناحية السدير التابعة لمحافظة القادسية (الديوانية)، لتجوب بيوت عوائل الشهداء بيتاً بيتاً.
وجاءت هذه الزيارة بالتنسيق مع مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية التابعة لمكتب سماحته، وبرفقة معتمد قضاء سومر السيد سعيد البعاج، واستمرت لأربعة أيام متواصلة، حملت خلالها اللجنة رسائل الوفاء والعرفان، ناقلةً سلام المرجعية العليا وتعازيها ومواساتها، ومشيدةً بعظيم التضحيات التي قدمها أبناء تلك العوائل، مع الدعاء لهم بالصبر والسلوان.
وفي أجواءٍ امتزجت فيها الدموع بالفخر، عبّر ذوو الشهداء عن اعتزازهم بما قدمه أبناؤهم، مؤكدين أن الشهادة وسامٌ إلهي لا يناله إلا الأخيار، حيث قال عدد منهم: "إن الشهادة وسام من الله تعالى يمنحه من يستحقه، وكل من استشهد من رجالنا هو من خيرة أهلنا". فيما أشار أحد شيوخ المنطقة إلى الدور الحاسم للمرجعية قائلاً: "نشكر المرجعية العليا على فتواها، إذ لولاها لما بقينا".
ومن بين البيوت التي زارتها اللجنة، كانت عائلة الشهيد أحمد شناوة شعلان، الذي جسد أروع صور الشهامة والنخوة، فقد عرف بمروءته العالية، حتى أنه خاطر بحياته لإنقاذ شخص كان على خلاف معه، فهب لنجدته دون تردد، وتمكن من إنقاذه في موقفٍ جسد أسمى معاني الإنسانية.
وفي ميادين القتال، كان كالأسد بين إخوانه، حتى ارتقى شهيداً برصاصة قناص في الصقلاوية، تحت لواء المرجعية. وقد عبّرت عائلته عن فخرها الكبير به، قائلة: "نحمد الله الذي أكرمنا بشهيد من بيتنا، ونفتخر بكل شهداء منطقتنا فهم عزّنا وفخرنا".

كما استذكرت اللجنة سيرة الشهيد حسن عبد زغير، الذي عُرف بتعلقه العميق بأهل البيت (عليهم السلام)، ومواظبته على زيارتهم في مختلف المناسبات، بل كان يسير على الأقدام أكثر من مرة، مهديًا ثواب إحدى زياراته لوالده. ومع صدور الفتوى، كان من أوائل المتطوعين، يواصل التدريب مساءً بعد يوم عمله، حتى نال شرف الشهادة إثر إصابته برصاصة غادرة أثناء وجوده في ساحة التدريب.

وفي السياق ذاته، استحضرت الزيارة تضحيات الشهيد حسن مريع كاظم، المنحدر من عائلة عُرفت بجهادها ومقارعتها للظلم، حيث شارك أفرادها في الانتفاضة الشعبانية وتعرضوا للسجن. ومع إعلان الفتوى، لبّى النداء دون تردد، مستفيداً من خبرته في استخدام الأسلحة، ليسهم بفاعلية في ميادين القتال. وبعد أن أبلى بلاءً حسناً، أصيب إصابةً قاتلة، فاحتضنه قائده السيد سعيد البعاج، وبقي إلى جانبه حتى فاضت روحه الطاهرة، ملتحقاً بركب الشهداء.

وتبقى هذه المشاهد شاهداً حياً على عمق الدور الذي اضطلعت به المرجعية الدينية العليا، ليس فقط في قيادة معركة التحرير، بل في ترسيخ منظومة إنسانية متكاملة، عنوانها الوفاء للشهداء ورعاية عوائلهم. إنها معادلةٌ صنعت النصر: مقاتلٌ يرابط في الجبهات، ومرجعيةٌ ترعى وتواسي وتحتضن، ليبقى العراق واقفاً على أكتاف تضحيات أبنائه.
_____________________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 29، ص90-91.
صور من الخبر