الاخبار
وثائقي : دواوين داعش الإرهابي.. هيكل إداري سخّر مؤسسات الدولة لخدمة الإرهاب في العراق
2026/08/26
لم يكن داعش الإرهابي، في حقبة سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، مجرد مجموعة مسلحة تعتمد على العمليات العسكرية والعنف؛ بل سعى إلى بناء هيكل إداري متكامل يفرض عن طريقه سلطته على المدن والمناطق التي احتلها، مستعيناً بشبكة من الدواوين التي حاول أن يجعلها بديلاً عن مؤسسات الدولة، ويوظفها لإدارة السكان والموارد والعمليات العسكرية والاقتصادية والأمنية.

وتوضح الصورة التوثيقية المرفقة في أعلاه التي تستعرض أبرز دواوين داعش الإرهابي، حجم التشعب الإداري الذي أنشأه داعش، إذ ضمت هيكليته 14 ديواناً تولّت اختصاصات متعددة، شبيهة في ظاهرها بعمل الوزارات والمؤسسات الحكومية، لكنها كانت في جوهرها أدوات للسيطرة والقمع وتمويل النشاط الإرهابي.
وتؤكد مصادر قضائية عراقية أن داعش بعد إعلان ما سماه "الخلافة"، شرع في إنشاء دواوين تتولى ملفات القضاء، والجند، والتعليم، والصحة، والدعوة، والحسبة، وبيت المال، والركاز والزكاة، والغنائم، مع تعيين مسؤولين عليها لإدارة تلك الملفات في المناطق الخاضعة لسيطرته.

دواوين لإدارة حياة السكان بالقوة
في مقدمة هذه المنظومة جاء ديوان القضاء والمظالم، الذي استعمله داعش لفرض منظومته القضائية الخاصة، وإصدار الأحكام بحق المدنيين، ضمن نظام لم يكن يستند إلى مؤسسات الدولة العراقية أو ضمانات القضاء، بل إلى قوانين وتعليمات الإرهاب وأحكامه المتطرفة.

أما ديوان الحسبة، فكان إحدى الأدوات الأكثر احتكاكاً بالحياة اليومية للسكان، إذ ارتبط بفرض ما كان المتطرفين يسميه "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وتحويل المراقبة الاجتماعية إلى وسيلة للترهيب والعقاب وفرض سلوكيات محددة على المجتمع.
وجاء ديوان الدعوة والمساجد ليعمل على توظيف المنابر والمؤسسات الدينية في نشر خطاب داعش الإرهابي وترويج أفكاره المتطرفة، في محاولة لفرض رؤيته الفكرية على المجتمع واستغلال المقدسات والفضاءات الدينية لخدمة مشروعه الإرهابي.

الجند والأمن.. الوجه العسكري للتنظيم
وعلى المستوى العسكري، تولى ديوان الجند شؤون مقاتلي داعش وإدارة جانب من احتياجاتهم العسكرية، في حين ارتبط ديوان الأمن العام بالمنظومة الأمنية التي أنشأها داعش لملاحقة المعارضين وفرض قبضته على المناطق التي احتلها.
وتكشف اعترافات إرهابيين حوكموا أمام القضاء العراقي عن وجود مسؤولين لدواوين متعددة داخل داعش، بينهم مسؤولون عن الجند والزكاة والحسبة، كما تضمنت الاعترافات المشاركة في عمليات إرهابية وجرائم قتل بحق مدنيين وتنفيذ أحكام إعدام خارج إطار الدولة والقانون.
وهكذا لم تكن القوة العسكرية لداعش منفصلة عن جهازه إداري، بل ارتبطت بشبكة من المؤسسات التي عملت على توفير المقاتلين والموارد والرقابة والأمن الداخلي، بما جعل الإرهاب منظومة متكاملة تتداخل فيها الوظائف العسكرية والأمنية والمالية والإعلامية بمساند وتعليمات خارجية...

المال والثروات.. اقتصاد مخصّص لتمويل الإرهاب
وفي الجانب الاقتصادي، شكّل ديوان بيت المال أحد أهم مفاصل داعش الإرهابي، إذ تولى إدارة الموارد المالية التي استولى عليها فلول الإرهاب من المناطق الواقعة تحت سيطرته، بما في ذلك الأموال والممتلكات والموارد المحلية.
وكشف فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد) في تقرير قدم إلى القضاء العراقي عام 2024 عن هيكلية "ديوان بيت المال" في المدة من 2014–2017، موضحًا أن هذا الديوان كان جزءاً أساسياً من البنية التحتية المالية التي اعتمد عليها داعش للحفاظ على عملياته العسكرية، وأن القرارات والسياسات المالية كانت مرتبطة بالقيادة العليا لداعش.

كما أُنشئ لهم ديوان الركاز، الذي ارتبط باستغلال الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط والغاز، وتحويلها إلى مورد مالي يدعم نشاطه الإرهابي. وتظهر اعترافات منشورة في مصادر عراقية تفاصيل عن استغلال حقول النفط وبيع المشتقات النفطية وتحويل العائدات إلى بيت المال.
وإلى جانب ذلك، ظهر ديوان الزكاة وديوان الفيء والغنائم كجزء من المنظومة المالية لداعش، في محاولة لإضفاء غطاء ديني على عمليات جمع الأموال والاستيلاء على الممتلكات والموارد.

التعليم والزراعة والصحة والخدمات.. محاولة لصناعة سلطة بديلة
لم يقتصر مشروع داعش على السلاح والمال؛ فقد أنشأ التنظيم ديوان التعليم لإدارة المؤسسات التعليمية في المناطق التي سيطر عليها وفرض المناهج والأفكار التي تخدم توجهاته المتطرفة، إذ توجد اليوم بعض من المناهج الدراسية لداعش الإرهابي في مؤسسة الوافي لتوثيق والدراسات التابع لعتبة العباسية المقدسة.

كما ظهر ديوان الزراعة لإدارة النشاط الزراعي والموارد المرتبطة به، وديوان الصحة للتعامل مع الملف الصحي، إضافة إلى ديوان الخدمات الذي تولى جوانب من الخدمات المحلية.
وتكشف هذه الدواوين أن داعش حاول تقديم نفسه بوصفه سلطة حاكمة تمتلك مؤسسات متعددة، إلا أن جوهر هذه المنظومة كان قائماً على الإكراه والسيطرة والاستحواذ على الموارد، وليس على خدمة المجتمع وفق مؤسسات الدولة والقانون.

الإعلام.. صناعة رواية التنظيم
أما ديوان الإعلام المركزي، فكان يمثل الذراع الدعائية للإرهاب، إذ اعتمد فلول داعش بصورة واسعة على الإعلام في نشر بياناته وتوثيق عملياته العسكرية، وبث خطاباته الدعائية، وترويج صورته أمام أنصاره وخصومه.
وقد أدرك داعش مبكراً أهمية الإعلام في مشروعه، فجمع بين السيطرة على الأرض، وصناعة الصورة الإعلامية، محاولاً تقديم احتلاله للمدن على أنه "دولة" تمتلك مؤسسات وهيكلاً إدارياً.

لكن الوثائق والاعترافات والتحقيقات اللاحقة كشفت أن خلف تلك الصورة الدعائية منظومة قمعية استعملت المؤسسات المزعومة لفرض السيطرة على السكان وتمويل العمليات الإرهابية وإدارة الموارد وتجنيد المقاتلين.

منظومة واحدة.. وهدف واحد

وبحسب دراسات وتحليلات حول هيكلية داعش، كانت هذه الدواوين الأربعة عشر تؤدي أدواراً شبيهة بالوزارات في المناطق التي خضعت لسيطرته، وشملت: القضاء والمظالم، الدعوة والمساجد، الجند، بيت المال، التعليم، الزراعة، الفيء والغنائم، الحسبة، الزكاة، الأمن العام، الإعلام المركزي، الصحة، الركاز والخدمات.
وتقدم هذه الهيكلية صورة واضحة عن طبيعة المشروع الذي حاول داعش فرضه في العراق؛ مشروع لم يكتفِ بالسيطرة العسكرية، بل سعى إلى إحكام قبضته على مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والصحة والزراعة إلى المال والقضاء والأمن والإعلام.
وفي ذاكرة العراق، تبقى هذه المرحلة شاهداً على حجم الخطر الذي واجهه البلد عندما حاول تنظيم إرهابي بتعاون مع قوه ودعم كبير من الخارج أن يحول المدن المحتلة إلى مناطق خاضعة لسلطته، وأن يستبدل مؤسسات الدولة بمنظومة إرهابية تحمل أسماء الدواوين وتستعملها لإدارة القمع والاستحواذ وتمويل الحرب.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق هذه التفاصيل، ليس لاستعادة مشاهد مرحلة سوداء فحسب، بل لحفظ الذاكرة الوطنية وكشف حقيقة المشروع الذي واجهه العراقيون، وتوثيق ما مارسه داعش من جرائم وانتهاكات بحق الإنسان والأرض والدولة، وصولاً إلى تحرير المدن وإفشال مشروعه في السيطرة على العراق.
فتوى الدفاع الكفائي لم تكن مواجهةً مع جماعة مسلحة على جبهات القتال فحسب، بل كانت مواجهةً مع مشروع أراد تفكيك الدولة والمجتمع وإخضاعهما لمنظومة إرهابية متكاملة؛ وهو ما يجعل توثيق البنية الداخلية لداعش ودواوينه جزءاً مهماً من قراءة مرحلة التحرير وفهم حجم التحدي الذي واجهه العراقيون في معركتهم ضد الإرهاب.
_____________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، جزء80، ص 16.
تحرير: اكرم علي الطويل
صور من الخبر