الاخبار
الشهداء أمراء الجنة.. الشهيد السعيد السيد جاسم عبادي ناصر الموسوي
2026/08/30

ينتمي السيد الشهيد جاسم عبادي ناصر الموسوي الى عائلة السادة المولى المنتسبة للسادة المشعشعية الموسوية أصحاب الإمارة المعروفة تاريخياً في جنوب العراق .. حيث لاتزال هذه الأسرة الكريمة محافظة على تواجدها في تلك المناطق.
ولد الشهيد في قضاء الوركاء التابع الى محافظة السماوة في الأول من الشهر السابع لعام (١٩٧٥م) في يوم ولادة جدته الصديقة فاطمة الزهراء ع النا ، لذا كان شديد التعلق بها وكان حريصاً على إقامة مجالسها وبيان ظلامتها ، وكانت له محاضرات على المنبر في وجه الفكر المنحرف المشكك بمأساتها، وهو متزوج ولديه أربعة أولاد، قد أسمى بناته الكريمات تيمناً باسمها الطاهر ( فاطمة) بنت العشر سنوات ، و(زهراء) التي ولدت قبل استشهاده بثلاثة أشهر، وله ولدان (محمد) ابن الاثنتي عشرة سنة و (علي) ابن السبع سنوات.
نشأ في بيئة عشائرية محافظة وفي الأوساط الريفية، ودخل كبقية أقرانه في المدارس الحكومية وأنهى الابتدائية والمتوسطة، ولكن أحداث عام (۱۹۹۰م) وما تلاها من ظروف قاسية حالت بينه وبين اكمال دراسته فتوجه الى العمل وإعانة عائلته حتى دخل العسكرية وكان صنفه مقاومة الطائرات. بعدها توجه الى التعليم الحوزوي ودراسة العلوم الدينية، لأنه كان منذ نعومة أظفاره وصغره يحب أن يلتحق بالحوزة العلمية، فما أن أتم الخدمة العسكرية حتى التحق بحوزة النجف الاشرف، وذلك في عام (۱۹۹۸م)، درس المقدمات لدى جملة من الأساتذة وكان ملتزماً في الأغلب بدرس الشيخ عبد الحكيم، ثم درس السطوح لدى نخبة من الأساتذة الكرام منهم السيد حسن المرعشي والسيد أحمد الخرسان والشيخ شهاب الدين العامري والشيخ شهاب الدين أحمد.
كان الشهيد مراقباً من قبل أزلام النظام البائد، وقد تعرض مرات عدة للمسائلة والتحقيق؛ لتوجهه والتزامه الديني؛ فقد كان منذ ريعان شبابه صائما مصليا ملتزماً دينياً، كما كان رادوداً حسينياً في وقتها، وكان أهله يخفون كتبه الدينية خوفاً عليه من حملات التفتيش التي تكون بين فترة وأخرى، فعانت عائلته كثيرا من مضايقات حزب البعث المقبور.
تميز الشهيد في فعل الخير، فقد كان يسعى في فعل الخير ومساعدة الأيتام والفقراء والمعوزين، وتزويج الشباب، والاصلاح بين الناس.
كان مثالا للأخلاق العالية وللعمل الصالح، فقد كانت عليه سمات الصالحين وزهدهم ؛ إذ كان صادقاً في حديثه وأمانته ، وصادقا في عمله ومواقفه، ، فكان مثالاً للخير والقدوة الحسنة في قضاء الوركاء. أرتقى الشهيد المنبر بعد التحاقه بالحوزوة وبعد ان قضى من الدراسة شطرا ، فكان خطيباً حسينياً يقيم المجالس في (حسينية الكوثر) في منطقته، وتنوعت محاضراته بين الاخلاق والتفسير والعقائد والفقه والتاريخ ،كما عمل على تأسيس (منتدى الزهراء عليها السلام الثقافي) في منطقة الوركاء مع صديقه الشيخ وائل والأستاذ علاء وبعض الشباب الخيرين ، وقد كان المنتدى في بداياته قد بني بمادة اللبن من الطين ومن ثم تم تطويره وبناؤه ، وكان لبعض علماء الدين البصمة الواضحة في تطوير المنتدى؛ من خلال تزويده ببعض المستلزمات ، وكذلك توفير الفرصة للدراسة في الحوزة العلمية في النجف الاشرف لعدد غير قليل من الطلبة ، ويشمل عمل المنتدى أحياء للشعائر الدينية والدراسة الحوزوية وحث الشباب على الالتزام بالدين من خلال عمل دورات تثقيفية دينية لمختلف اعمار الشباب، فكان المنتدى اشعاع خير على قضاء الوركاء ؛ إذ أن المنتدى هو الوحيد في منطقة الوركاء، وله اعمال وانشطة دينية متميزة، وزيارات مستمرة للمراجع في النجف الأشرف للتواصل معهم والاشراف والتوجيه. وللشهيد علاقات واسعة في مدينة السماوة والنجف الاشرف، وكان له اهتمام خاص بعوائل الشهداء والأيتام والعوائل المتعففة. وكان الشهيد خادما متفانيا في خدمة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان الشهيد من ميزته التي امتاز بها وعرف بها في مجال خدمته للحسين وللشعائر الدينية استقباله الخطيب الحسيني وتكفله تهيئة كل مستلزمات خدمته، مما يظهر تفانيه في ذلك ما نقل عنه في إحدى السنوات عند الأيام الفاطمية وعندما كان الخطيب مقيماً في بيته (رحمه الله) كانت زوجته المكرمة حاملاً بطفلة وكان السيد يستبشر بها كثيراً ولكن شاءت إرادة الله أن يتوفاها في شهرها التاسع فكتم السيد ذلك ولم يظهره للضيف خوفاً من تألمه بل بقي على حاله المعهود من بشاشة ذلك الوجه ولم يظهر ذلك حتى لأصدقائه إلا عندما انتهى الموسم وغادر الخطيب.
كما كان خادما للإمام الحسين يشترك في المواكب والمجالس، فقد كان له خدمة حسينية في أحد المواكب على طريق المشاية وهو (موكب الإمام السجاد عليه السلام)، ويقوم فيه بخدمة زوار سيد الشهداء، وكذا كان في ايام الزيارات يأتي بالزائرين الى منزله لخدمتهم ومبيتهم.
كان الشهيد من الاوائل الملبين والملتحقين بصفوف المجاهدين ، عند صدور الفتوى المباركة من المرجعية العليا بالدفاع الكفائي ، وكان التحاقه الأول إلى معسكر أشرف في ديالى في فوج جعفر الطيار، وشارك في جميع معارك ديالى وعند البدء بتحرير تكريت كان في طليعة الزاحفين الى تحرير طريق سد العظيم وصولاً الى حمرين وتطويق تكريت من جهة الفتحة وله موقف بطولية كثيرة في ميادين القتال منها : عندما حوصروا في أحد المرات وكانت هنالك احدى المدرعات التي تبعد مسافة عنهم فعلى الرغم من اشتداد المعركة إلا أنه أستطاع الى ان يصل إليها، وصعد فيها واعتلاها واخذ يقاتل قتال الأبطال إلى أن تم فك الحصار عنهم.
وفي احدى المرات كان الشهيد في احدى المدرعات فقصدتهم سيارة مفخخة وكانت قريبة جداً من
مدرعتهم إلا أنه استطاع أن يقفز قبل ارتطام السيارة المفخخة بلحظات ودقائق قليلة . أهله وابناء منطقته بانت عليه علامات الشهادة كما يصفها أحد اهله وابناء عمومته إذ وفي آخر لقاء مع ا يقولون أن الشهيد وقف في مكان وضعت فيه فيما بعد صورته بعد شهادته وبدأ يتلون ويطيل النظر فيه، وكأنه يريد أن يقول لن أعود بعد وان أردتم رؤيتي فصورتي أراها هنا، وأوصى الجميع ان يبرؤه الذمة كما وأوصى أبناءه الالتزام بالصلاة والصيام وغيرها من الأمور العبادية ومساعدة الفقراء والايتام وأن يجدوا في دراستهم.
تذكر زوجته المكرمة في المرة الأخيرة لالتحاقه بالجبهات كان يكثر من تلاوة القرآن بشكل ليس من عادته ويكرر عليها الوصية بدفع مبلغ لرد المظالم في حال شهادته .. وكان كلما أنهى عملاً من شؤون البيت يقول هل تحتاجون مني شيئاً آخر أم يكفي؟ وكان يقول مازحاً رتبوا لحيتي حتى أكون جميلاً عند الشهادة . وبالنسبة الى أصدقائه فقد كان يمازحهم في ليلة التحاقه ويقول : ( إني لا أريد إصابة تسبب لي الإعاقة وانما أريدها طلقه في الرأس وأرتاح .. وبتعبيره ( أريدها هنا ) ويضع إصبعه على جبهته .
وبعد التحاقه بيومين حصل الخرق المعروف في تلال حمرين الذي قامت به عصابات داعش في الأول من نيسان والذي راح ضحيته ثلة طيبة من المجاهدين من النجف والناصرية واستمر القتال حتى الصباح وكان الفوج محاصراً بشكل كامل وقد استبسل السيد الشهيد في القتال الى حد ستبقى صورته محفورة في ذاكرة رفاقه المقاتلين وعلى الرغم من أنه كان معروفاً بالتوقي الشديد أثناء القتال ويعتبر حماية النفس وظيفة شرعية للمقاتل ولكنه في لحظات حساسة اقترب فيها العدو منهم كان يقف ببطوله ويصدهم بسلاح ( BKC )، وينقل أحد زملائه أنه وبسبب كثافة النيران التي تعرضوا لها كان السيد يضطر للوقوف والصد لكسر الغطاء الناري ومنعهم من التقدم ولكن يد اللطف الإلهي شاءت أن تختاره الى جوار أمه الزهراء ع النار حيث كان يطلق وينادي: (يازهراء) لتصيبه رصاصة ظالمة في الرأس كما كان يتمنى، ويدخل على أثرها في غيبوبة لمدة أسبوع كامل في مستشفى الكاظمية، وفي ليلة السابع عشر من جمادى الثانية ومع اقتراب ذكرى ولادته المرتبطة بولادة أمه الزهراء علية الدخل في منتصف الليل في نوبة حرجة ، وعرجت روحه الطاهرة في فجر يوم الثلاثاء ٧ / ٤ / ۲۰۱٥ م الموافق /١٧ جمادى الثانية لعام ١٤٣٦هـ ، وفقده اطفاله الاربعة واخوته واهل منطقته؛ لذا كان خبر استشهاده فيهم كأنه زلزالا حصل في المنطقة وشيع تشييعا لم يسبق ان شيع أحد مثله في القضاء، شارك المؤمنون في تشييعه المهيب بدموع غزيرة ولوعة كبيرة وهم يلطمون صدورهم وصوت الرادود المرحوم ياسين الرميثي يعلو تشيعه، وكذلك شيع تشييعاً آخر في النجف الاشرف وصلى على جثمانه الطاهر سماحة آية الله الشيخ حسن الجواهري دامت بركاته في الصحن العلوي واقيم على نعشه مجلس العزاء في صحن الأمير المؤمنين عليه السلام وعلى حافة قبره وارتفعت اصوات المعزين بالبكاء والنحيب. فسلام عليه يوم هب للجهاد ، وسلام عليه يوم حمل السلاح، وسلام عليه يوم حمل على الاعداء، وسلام عليه يوم اصابه رصاص غدرهم فسقط مضرجا بفيض دمه فقيداً سعيداً .
_______________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص 76 -77.
تدقيق وتصميم: أكرم علي الداوودي


صور من الخبر