حملة عباسية لإغاثة الشعبين الإيراني واللبناني
2026/03/26
في زاوية غرفتها الهادئة، حيث تفوح رائحة البخور والذكريات، جلست الحاجة أم جميل تفرك خاتمها الذهبي الأخير.
ليس ندما على فقدانه، بل استعجالا للّحظة التي يتحول فيها هذا المعدن إلى خبز، أو دواء، أو غطاء، يقي طفلا برد الشتاء في بيروت، أو يعين عائلة منكوبة في طهران أو أصفهان أو شيراز.
لم تكن الحاجة تملك ثروة طائلة، فدخلها لا يتجاوز معاشا تقاعديا بسيطا، لكنها تمتلك قلبا يتسع لآلام أمة بأكملها.
عند ذاك قررت أن تتبرع بمدخرات العمر، ومصاغها الذهبي، الذي احتفظت به لسنوات طويلة، موجهة بوصلة عطائها نحو إيران ولبنان.
"المال ليس لنا، نحن مستخلفون فيه، وما عند الله باق" هكذا تختصر الحاجة أم جميل فلسفتها في الحياة بابتسامة وقورة.
لماذا لبنان وإيران؟
تؤكّد الحاجة أن اختيارها لم يكن سياسيا، بقدر ما هو إنسانيًا تارة، وعاطفيًا تارة أخرى، "ففي لبنان ترى الجرح النازف والعائلات التي شرّدتها الحروب الصهيونية، فترسل مدخراتها لتسهم في ترميم بيت أو شراء حليب لأطفال المخيمات والقرى.
وتضيف، "أمّا ما يخصّ إيران فنحن نستذكر تلك المواقف الجليلة التي سجلتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونرى في مساعدتهم واجبا شرعيا وأخلاقيا لا يقبل التأجيل".
وهذا ما جاء مُنسجما مع توصيات وكيل المرجعيّة الدينيّة العُليا سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، المتولي الشرعي للعتبة العبّاسية المقدّسة عن المباشرة بحملةٍ لجمع التبرّعات دعمًا للشعبَينِ الإيرانيّ واللبنانيّ، وذلك في أعقاب الأحداث الأخيرة التي تشهدها المنطقة، إلى مدّ يد العون ومساعدة المنكوبين، في هذه الظروف العصيبة وتفاقم المأساة وازدياد حاجة المتضرّرين والنازحين، كما أَذِنت بصرف الحقوق الشرعيّة لتخفيف آلام المتضرّرين في إيران ولبنان.
ليس الأول من نوعه
وجاءت هذه الحملة العراقية التي دعت لها المرجعية العليا في النجف الأشرف في سياق الأعمال الإنسانية التي لبّى فيها العراقيون دعوات لإغاثة الشعوب المنكوبة في المنطقة.
فيما كان للعتبة العباسية المقدسة قدم السبق في إغاثة الشعب السوري إبّان كارثة الزلزال التي ضربت بلدهم عام 2023، وأيضا نظمت العتبة المقدسة حملة إغاثة للشعب اللبناني إبّان العدوان الصهيوني عام 2024.
وتُولي الأمانة العامة للعتبة العباسية ضمن أولوياتها دعم برامج التماسك الاجتماعي في العراق عبر مشاريع مستمرة تتضمن أنشطة اجتماعية واقتصادية وثقافية متنوعة.
الحج في بيوت المنكوبين
التبرع هو شكل من أشكال التكافل الاجتماعي، الذي يتجاوز حدود الجغرافيا ليتحد مع حالة الأنين الإنساني.
من جانبه يقول الحاج أبو إبراهيم (55 عاما)، "في أثناء مراقبة شاشات التلفاز العربية والأجنبية، طالعتني الصور القادمة من ضاحية بيروت الجنوبية، ومن المدن الإيرانية التي طالها القصف الأمريكي والإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة".
ويضيف، "هي تعج بالكثير الكثير من المواقف المؤلمة والقاسية، هذا مما أشعل في نفسي حالة التخلّي عن (تحويشة) أداء مناسك الحج لهذا العام".
مضيفا، "قلت حينها لزوجتي، الحج هذا العام سيكون في بيوت المهجرين والمنكوبين في لبنان وإيران".
صباح اليوم التالي لخطبة العيد يقول الحاج أبو سجاد "توجهت إلى قسم الهدايا والنذور في العتبة العباسية المقدسة وهي الجهة المعنية باستحصال المساعدات العينية والمالية لإغاثة الشعبين اللبناني والإيراني".
"لأجد هناك طابور يضمّ شبابا يتبرعون بمصروفهم الدراسي، ونساء يقدمن خواتم الزفاف لدعم اخوانهم في الدين والإنسانية".
ويشير، "عندها شعرت أنّ مالي لا قيمة له إذا لم يسدّ رمق جائع أو يداوي جرح مصاب، لذلك تبرعت بمبلغ مالي محترم قسمته بالتساوي بين حملة إغاثة لبنان وحملة دعم المنكوبين في إيران".
من جانبها الحاجة أم كاظم تطلب من ابنها البكر، أن يفتح صندوقها الحديدي الذي تحتفظ فيه بمصاغها الذهبي القليل ومبلغا ماليا كانت قد ادّخرته لساعة وفاتها.
قالت لابنها بلهجة لا تقبل الجدل، "يا بني، خذ هذا الذهب وهذا المال وتوجه به إلى مكتب المرجعية أو مركز إغاثة العتبة العباسية المقدسة، فلبنان وإيران ينزفان، وحاجتهم للدواء والغذاء أوجب من فكرة الاحتفاظ بهذا المال لحقيقة نجهلها".
النداء الذي هزّ الضمائر
نداء المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، هو أشبه ما يكون بالشرارة التي أشعلت الضمائر والأنفس، فمنهم من قدّم مدخراته، ومنهم من تبرّع بحلي ذهبية، ومنهم من جاء مُحمّلًا بأغطية وملابس جديدة.
يقول الحاج أبو مرتضى أحد المتبرعين الذين التقيناهم عند باب القبلة، "جئت من أقصى البصرة لأضع هذه الأمانة بيد العتبة، نحن نثق أنّ وصول المساعدات عبر مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، يعني أنّها ستصل إلى مستحقيها الفعليين في خيام النازحين بلبنان أو القرى والمدن المتضررة في إيران".
ويضيف، "العتبة العباسية هي ليست مؤسسة دينية، بل هي صمام أمان إنساني يتجاوز الحدود الجغرافية، لتسمح دمعة هنا، وتضمد جرحا هناك، مؤكدة أّن كربلاء ستبقى دائما منبعا للعطاء الذي لا ينضب".
البقاء على قيد الكرامة
لم تكن هذه الحملة مجرد أرقام تُجمع، بل كانت قصصا إنسانيا مؤلمة تروى في بيروت وإيران.
يقول أحمد، أحد المنظمين الميدانيين، "ما نراه اليوم ليس مجرد تبرع مالي، بل هو رسالة حب وعطاء، رأيت طفلا يتردد على المركز ليتبرع بحصالته الصغيرة من أجل أطفال لبنان، وامرأة مُسنّة قدّمت شالا حاكته بيدها لتدفئة عائلة في إيران، هنا تذوب الفوارق وتظهر الإنسانية في أبهى صورها".
بل تتجلى عن طريق ذلك حاجة البقاء على قيد الكرامة والحياة.