أدب فتوى الدفاع المقدسة
لنقطف الورد
2016/10/19
كعادتها في كل صباح تفقدت آيات عصفورها الجميل ذو الصوت الشجي..تناغيه..تتكلم معه..يبهرها بزقزقته..يقترب منها يتكلما معا..بدأت تسرد له حلما رأته في منامها..له لون الورد الزهري الذي يشبه لون فستانها الذي أهداه له والدها في يوم ميلادها..أيها العصفور كانت الفراشات الجميلة التي تشبه مشابك شعري، تتراقص حولي بكل فرح وأنا وسط تلك الحديقة الغنّاء المليئة بالزهور الجميلة اقطف الأزهار لوالدي فقد قرب موعد مجيئه من جبهة الدفاع عن الوطن..أعجبتني زهرة بيضاء نقية كقلب أبي، قطفتها..ثم رأيت أخرى زهرية اللون وأخرى زرقاء وصفراء..جمعت باقة رائعة الجمال، لمحت زهرة حمراء قانية قطفتها لأضيفها لباقتي، جرحتني..فجأة رأيت أبي أمامي اتجهت نحوه وقدمت له باقتي..نظر إلى يدي فضمني إليه وامسك بجرحي..شممت عطرا من ثناياه لم أشمه من قبل، لا يوجد له مثيل..نظر إليّ بعيون أنقى من لون السماء..تبسم لي عن لؤلؤٍ منضود، يعكس نوره على وجهي الق الحنان وفيض عطف الأب، همس في أذني: (ستاتين معي هذا المساء)..أرأيت يا عصفوري، سيأتي أبي اليوم ويأخذني معه، ولا تقلق سأوصي أمي بالاعتناء بك في غيابي.

خرجت من غرفتها واتجهت إلى والدتها تبشرها بما رأته في منامها..أمي سيأتي أبي اليوم، ولذا سأساعدك، ونهيأ الأطباق التي يحبها، واذهب إلى الحديقة لأسقيها، سأختار لوالدي من دولابه ما يلبسه..رمقتها الأم بنظرة حنان قائلة: ماذا دهاك عزيزتي؟ اليوم على غير عادتك..ثم إن موعد إجازة والدك لم يحن بعد!! أجابتها: ولكني حلمت بعودته، لقد وعدني وأبي يفي بالوعود..خيّم سكون مطبق مشوب بالقلق والترقب قطع ذلك السكون أصوات جلبة وضوضاء في الشارع، جمع من الناس يطرقون الباب..ركضت آيات نحو الباب لتفتحه وهي تصرخ: لقد عاد أبي....
نعم عاد أبو آيات مزهوا بالشهادة..عاد محمولا على الأكتاف، وهو يحتضن علم بلاده..أصابت آيات نوبة من الذهول..فهذا المنظر أفزعها ويصعب على عقلها أن يفهمه، ما معنى هذا الصندوق الخشبي المحاط بعلم العراق..ما معنى أن يكون أبوها نائم بهذا العمق..لم تعد تعي ما حولها ..لم تعد تسمع ما يدور..لم تعد ترى بعينيها..اقتربت من التابوت، لم تأبه لصرخات من حولها وهم يأمرونها بالابتعاد، كشفت عن وجهه لم ترَ أجمل من هذه الابتسامة الملائكية التي ارتسمت على وجهه المغطى بالدماء... وبدون إرادة من دارت في رأسي الكثير من الأسئلة:
أليس هذا الموقف الذي تعيشه آيات الآن هو نفس الموقف الذي عاشته سيدتي رقية عليها السلام؟....ماذا فعلت برأس أبيها؟.....هل قبلته مثلما تقبل آيات رأس أبيها؟ هل كنتِ تناجيه؟؟ كيف احتملت الحقيقة الموجعة؟؟ كيف احتمل قلبك الصغير الماً لا يبرئه إلا الموت ؟؟ ما كان ذلك الشهيق الأخير الذي أخذتيه من هذه الدنيا؟
كأني أراها تجلس قبالة آيات، طفلة نورانية بملابس خضراء أضاء نورها أرجاء المكان وهي تواسيها..لا تبتئسي يا آيات، انظري هناك....أومأت هذه الطفلة إلى حديقة كبيرة جدا فيها أنواع الزهور والثمرات، فيها أريكة رائعة الجمال يجلس عليها والدها بكل مهابة..كان وجهه جميلا جدا يشع بالنور وملابسه بيضاء ناصعة تعكس الجمال المتناغم مع المكان.. تحدثت رقية إلى آيات قائلة: ضعي فمك على فمه كما فعلت ذلك مع أبي، وسنذهب إلى هذه الحديقة ..لنقطف الورد معا.

امال كاظم الفتلاوي