نحن نعملُ بأخلاقِنا أخلاق اهل البيت (عليهم السلام)
2026/02/23
بقلم اكرم علي الداوودي
قصةٌ الشهيد وائل عبد الكريم ضيدان المكصوصي
في الأزمنة التي تتكاثف فيها الغيوم حتى يخيّل للناس أن السماء قد نسيت زرقتها، يولد رجالٌ يشبهون الفجر؛ لا يرفعون أصواتهم كثيراً، لكنهم يرفعون القيم عالياً، ويمشون إلى المعارك كما يمشي العاشق إلى وعده الأول، مطمئنّ القلب، ثابت الخطى.
كان الشهيد وائل عبد الكريم ضيدان المكصوصي، المولود في العاصمة بغداد عام 1991م، واحداً من أولئك الذين لبّوا نداء المرجعية الدينية العليا يوم أُعلنت فتوى الدفاع الكفائي، فاختار أن يكون سيفاً بيد الحق، لكنّه لم يتخلّ يوماً عن قلبه.
استشهد في محافظة نينوى عام 2017م، غير أنّ حكاياته ما زالت حيّة، تنبض في ذاكرة رفاقه كما تنبض الدماء في العروق.
يروي صديقه – وهو شاهدٌ على الموقف – قائلاً:
كان شهر رمضان قد ألقى بظلاله على جبهات القتال، وكأنّ السماء أرادت أن تمتحن صبر الصائمين بين حرّ النهار ووهج المواجهة.
في ذلك اليوم، وبعد اشتباكٍ عنيف، تمكّنا من أسر مجموعةٍ من عناصر العصابات التكفيرية.
كانت وجوههم شاحبة، وعيونهم تائهة بين خوفٍ وهزيمة.
جلسوا في زاوية المعسكر، مكبّلين بقيودٍ من حديد، لكنهم في الحقيقة كانوا مكبّلين بما هو أثقل: قيود الفكر المظلم الذي ساقهم إلى الدم.
وقبيل أذان المغرب بقليل، كعادته في كل يوم، مضى السيد وائل عبد الكريم إلى السوق القريب ليشتري لنا العصير وبعض الفواكه.
كان حريصاً أن يكون الإفطار بسيطاً، لكنه لا يخلو من شيءٍ يخفف عنّا عناء النهار.
عاد يحمل أكياساً أكثر من المعتاد.
نظرت إليه متعجّباً، وقلت مبتسماً:
– مولاي، هذا يكفينا ليومين!
ابتسم بهدوئه المعهود، وقال:
– هذه الأكياس لنا… وهذه للأسرى.
تجمّدت الكلمات في فمي.
– ماذا؟ للأسرى؟!
يا سيّد، هؤلاء لا يستحقون هذا الطعام ولا هذا الشراب! لو كنّا مكانهم لقتلونا، ولما اكتفوا بذلك، بل لَمَثّلوا بجثثنا!
نظر إليّ نظرةً لم تكن عتاباً، ولا غضباً، بل كانت مزيجاً من حزنٍ ورحمة.
ثم قال عبارته التي ما زالت تتردّد في أذني كلّما تذكّرت وجهه:
– هم يعملون بأخلاقهم… ونحن نعمل بأخلاقنا.
أخلاق محمدٍ وآل محمد.
في تلك اللحظة، شعرت أنّ المعركة لم تكن هناك فقط، عند خطوط النار، بل كانت هنا… في داخل النفوس.
كان يمكن لوائل أن يرى فيهم مجرد أعداء، وأن يتعامل معهم بمنطق الثأر، لكنّه اختار منطق الرسالة.
تقدّم نحوهم، ووضع الأكياس أمامهم كما يضع الأب طعاماً لأبنائه، لا كمنتصرٍ أمام مهزوم. لم تكن تلك الأكياس مجرّد عصيرٍ وفاكهة؛ كانت بياناً أخلاقياً مكتوباً بالفعل، لا بالحبر.
تذكّرت حينها سيرة النبي ﷺ يوم فتح مكة، كيف قال لمن آذوه: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
وتذكّرت وصايا أمير المؤمنين عليه السلام في الحرب:
ألا يُجهز على جريح، وألا يُمثّل بقتيل، وألا يُعتدى على أسير.
وها هو وائل، ابن بغداد، يُعيد تلك السيرة في أرض نينوى.
كان بإمكانه أن يكون مقاتلاً فحسب، لكنه آثر أن يكون قدوة.
كان يعلم أنّ الرصاصة قد تُسقط جسداً، لكن الأخلاق تُسقط فكرة.
وكان يدرك أنّ الحرب الحقيقية ليست حرب البنادق، بل حرب القيم.
في تلك الليلة، أفطرنا نحن وهم على الطعام ذاته.
كان الفرق بيننا وبينهم ليس في الطبق، بل في المبدأ.
كنت أراقبه وهو يوزّع الطعام، وكأنّي أرى في ملامحه سكينةً لا تشبه ضجيج الحرب.
أدركت أنّه لم يحمل السلاح بدافع الكراهية، بل بدافع الواجب؛ وأنه لم يذهب إلى الجبهة لينتقم، بل ليحمي.
بعد أشهر، ارتقى وائل شهيداً في محافظة نينوى عام 2017م.
وصلنا خبر استشهاده كصاعقة، لكنني – رغم الألم – تذكّرت ذلك الموقف.
قلت في نفسي:
هذا الرجل لم يمت، لأن الأخلاق التي عاش بها لا تموت.
الذين يعملون بأخلاق محمدٍ وآل محمد، يتركون في الأرض أثراً يشبه العطر… لا يُرى، لكنه يُحسّ.
كلّما سُئلت عن وائل، لا أبدأ ببطولاته في ساحات القتال، ولا بعدد المعارك التي خاضها، بل أبدأ بتلك الأكياس من العصير والفواكه.
لأنها تختصر كل شيء.
لقد علّمني في ذلك اليوم درساً لن أنساه ما حييت:
أن الشجاعة ليست أن تغلب عدوك فحسب،
بل أن تغلب نفسك حين تدعوك إلى الانتقام.
وأن الانتماء الحقيقي لأهل البيت عليهم السلام لا يكون بالشعار،
بل بالفعل…
حين تقول، في قلب المعركة:
هم يعملون بأخلاقهم… ونحن نعمل بأخلاقنا.
#اكرم_علي_الداودي
#كاران_درويش