معَ الشهداء في عليائهمْ..
2017/05/25
مواقف وبطولات يوثّقها مركزُ الحوراء (عليها السلام).. (ج2)
(وكمْ أتمنّى أن يطأَ الشهداءُ صدري قبلَ أن تعرجَ أرواحُهمْ إلى السماء، أنه لشرفٌ عظيم أن أتلمّسَ جراحاتهم وأشمَ مسكَ دمائهم)، هذا لسان حال الكثيرين الذينَ يقفون مليّاً عند قصص شهداء أبطالنا في الحشد الشعبي، أما الدموعُ فهو مشهد مستمر وإلا ماذا يمكن أن تفعلَ إزاءهم.
في ذات الملف المعدِّ من قبل مركز الحوراء زينب (عليها السلام) والذي تطرّقنا له في العدد السابق، نقرأ عن قصص أخرى، مواقف جديدة، وبطولات لا يمكن وصفها، فهنا الشهيد البطل (عبد الحسن مظلوم جاسم) من مواليد (1985) من حي الحمران بقضاء القاسم، والذي استشهد في قاطع الخالدية بتاريخ (31/ 7 / 2016)، بعد أن سبقه في تلبية النداء أخوه الأكبر (عبد الحسين) وحثّ أخوته (عبد الحسين و عبد المحسن) على الالتحاق معه.
شارك الشهيد البطل (عبد الحسن) في معارك تحرير الخالدية، وخلال المعركة تفقد آمر فوج القاسم أفراده فلم يكن الشهيد معهم، ذهب رفاقه مع أخيه للبحث عنه فوجوده مع عدد من الشهداء غارقاً بدمه بعد إصابته بقناص في إذنه، فاحتضن البطل المجاهد (عبد الحسين) أخاه (عبد الحسن) وهو يغبطه لنيله الشهادة التي كان يتمناها هو الآخر وقام بحمل أخيه وعاد إلى آمر الفوج ليخبره بنبأ استشهاد أخيه.
وأهم ما يميز حادث استشهاد (عبد الحسن) أن أخاه (عبد الحسين) لم يتوانَ عن القتال وأداء واجبه الجهادي حتى بعد استشهاده أخيه، بل أصر على البقاء لدحر العدو والأخذ بثأر أخيه، وبعد الترجي من قبل آمر الفوج والمشايخ هناك ليعود إلى أهله فهم بحاجته في هذا اليوم، عاد ليحضر مجلس العزاء بعد أن أخبر والده بوصية الشهيد لوالدته وهي كوصية معظم الشهداء لأمهاتهم أن لا يبكين بل ينثرن الورود على جثامينهم ويفخروا بأبنائِهمْ ويكملوا دورهم الجهادي في الصبر للتغلب على ألم الفراق.
المفارقة ونحن نقرأ في قصص هؤلاء الأبطال، أن أحد رفاق الشهيد (عبد الحسن) التمس من صديقه الشهيد وهو ينزله إلى مثواه الأخير أن يدعو له بالالتحاق به ليكون بين الشهداء ايضاً، وقد حصل ذلك بعد يومين بتاريخ (2/ 8/ 2016) نال وسام الشهادة.. إنه الشهيد (مقصد محمّد).
الشيخ (مقصد محمد محيسن) من مواليد قضاء القاسم (1975)، متزوج وله ثلاث بنات وولدان، درس في مدارس النجف الأشرف الدينية لمدة أكثر من (20 عاماً) وللشهيد أخ يصغره سناً استشهد في الثمانينات، بعد مداهمة أزلام النظام البائد لدار سكنهم بحثاً عن الأخ الأكبر (علاء) المتهم بنشاطاته الدينية!!، فلم يجدوا سوى الأخ الأصغر فتم سجنه مدة من الزمن وبعدها انقطعت أخباره ليجدوا رفاته في المقابر الجماعية بعد (15 عاماً) من فقدانه.
والأخ الأكبر المجاهد (علاء محمد) هو آمر فوج القاسم، والذي أصيب في معارك الفلوجة بعد أن أصابه قناص بساقيه، وقد منحته المستشفى إجازة مدتها (21 يوماً) لم يكمل منها سوى ثلاثة أيام ليتكئ على عكازه ويعود بعدها إلى ساحات القتال.
ونعود إلى أخيه مرة ثانية (الشيخ مقصد محمد) الذي يتحدّث عنه الأهل والرفاق بكلمات الطيب والرفعة، لقد اعتاد هذا البطل المغوار على أعمال البر فكان يشرف على مركز النبأ في قضاء القاسم والذي يتكفل برعاية (100 يتيم)، كما كان له دور كبير في حث المجاهدين على التحلي بالشجاعة والبسالة لمواجهة الأعداء وكذلك أداء صلاة الجماعة هنالك في الميادين وعلى ساتر العزة والكرامة، فضلاً عن إحياء المناسبات الدينية وليالي الجمع، وقد نال شرف الشهادة التي كان يتمنّاها وشهدت مراسيم تشييع جثمانه حضور العديد من الشخصيات الدينية من أبناء المراجع العظام يتقدّمهم الفقيه السيد محمد رضا السيستاني نجل المرجع الأعلى السيستاني (دام ظله الوارف).
محطّتنا التالية مع الشهيد البطل (سيد سعيد كاظم عباس) من منطقة (الطليعة) بقضاء الهاشمية بمحافظة بابل (مواليد 1965).
وكما ورد في ملف المركز، فإن السيد سعيد قد تزوّج قبل أكثر من (20 عاماً) ورزقه الله تعالى بأربع بنات، وقد توفيت زوجته أثناء ولادة طفلهم الخامس (حمزة)، ثمّ تزوّجَ أختها التي آثرت على نفسها وسعادتها من أجل سعادة أطفال أختها المرحومة، وتجنبت إظهار مشاعر الأمومة خوفاً من أن تجبرها عاطفتها على الاهتمام بأطفالها أكثر من هؤلاء الأيتام الذين ترعاهم، فكرت حياتها من أجل تربيتهم والاهتمام بهم حتّى تزويج البنات الأربع، ليرزقها الله بعدها بطفلين (محمد من مواليد 2012 وزهراء من مواليد 2015) والتي كان عمرها بضعة أشهر حين استشهدَ والدها سعيد في قاطع جبال مكحول.
من الصور المؤلمة التي ترافقُ قصّة شهيدنا، هي لحظة طلب ابن الشهيد (محمد) من إحدى الأخوات في مركز الحوراء أن تلتقط له صورة مع أبيه، حيث أحضر صورة والده خلال إحدى الفعاليات المقامة في مرقد سيدنا القاسم (عليه السلام)، وطلب من الأخت المصورة أن تلتقط له صورة له مع صورة أبيه وهو يقول بعينين دامعتين (هذا أبي) وكأنّ هذا الطفل المشعّ بالبراءة يشعر أن أباه موجود بينهم ولم يفارقهم!!.