أدب فتوى الدفاع المقدسة
اليوم تمرّ ذكراك .. ولن ننساك...حكايات الزاهد حسن
2017/06/13
ذات يوم جاءني الشهيد الشيخ حسن وقد أزف وقت بداية الدرس واثناء دخوله الى البيت وقع نظره على بلبل وحيد كان قد اشتراه مرتضى ابني , تسمّر الشيخ في مكانه ووزّع نظراته بيني وبين القفص قال : شيخ هادي سبعة سنوات في السجن جعلتني أدرك ما معنى القفص , لم لا نطلق هذا المسكين قربة الى الله , أيقظ الشيخ بكلماته أشياء كثيرة في نفسي بدت خاملة , قلت: اطلقه وأنا ضامن لقيمته لو طالب ابني بها .
كنت اتذكر هذه الحادثة كلما حاولتُ الخروج من دائرة محبته التي تذكرني بدائرة الطباشير القوقازية , كان يغتاظ كثيراً حين استعين بغيره , وانا العاجز الذي أعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة .
مرةً جاءني مسرعاً يحمل في جعبته خبراً ما , وقد كنت أعرف هذا من لحن قوله , لم يكد يجلس حتى أعلن عن اكتشافه عجوزاً وحيدة تسكن في غرفة حقيرة لا تقيها الحر ولا البرد وبحاجة الى كرسي متحرك يعينها على أيامها المتبقية , لقد كانت تلك العجوز للشيخ حسن منجم الذهب الذي انتظر اكتشافه طويلاً , لقد أرخى سدول محبته وعطفه عليها وحرّك مجنزرات محبته اليها واستمر على ذلك برهة من الحنان والشغف وللأسف توفي ولم أعلم مقدار صنيعه معها لانشغالي بالدرس والتدريس وذهابه المتكرر الى ساحات القتال .
هكذا هو الشيخ حسن مشاريع حب دائمة وتواصل لا يكاد ينتهي مع العالم أجمع , لم يكن يدرس لأجل الدرس والنمو العلمي فقط بل كان درس الحوزة بالنسبة له فرصة عظيمة لمشاركة المحرومين وايقاظ الغافلين وتنبيه العاجزين والكسالى , وعندما قررت الدولة تعويضه عن سنوات سجنه المريرة , وأصبح الشيخ حسن ذا مرتّبٍ تقاعديٍّ شهري , سرى في روحه كيمياء الزهد وانتفخت أوداج تواضعه فأوقف بإرادته مرتّبه الشهري في الحوزة العلمية معلناً عدم حاجته اليه , وهذه الخطوة لا يقدم عليها إلا الأوحدي من الناس .
كان معجباً كثيراً بأستاذه السيد صادق الخرسان وما سمع يوماً شيئاً منه إلا وحاول تطبيقه وتجسيده على أرض الواقع , وما كانت حقيبته تخلو من كراس للتوزيع او نشرة دينية تحمل فكرة واعية هادفة , حينها كنت أدرك جيدا ما معنى أن يعقد الشيخ حسن صداقات عتيدة مع الاطفال والعجزة وسواق التاكسيات والمحرومين في العالم أجمع , لقد كان مهووساً بالفقراء ويردد اسماء جيرانه الفقراء بعدد تسبيحاته – كما أظن – .
أسمعتم بمؤدب الصبيان ؟ إنه الشيخ حسن معلّم القران في الحوزة , والأطفال في أزقة النجف يعرفونه جيداً وطالما قطعوا الطريق علينا ليحصلوا على قُبلة من شيخهم الجليل , وقد استمرّ في هذا العمل المبارك الى آخر أيامه , وحتى بعد أن دخل البحث الخارج مفتخرا بذلك , ولا يكاد يملّ من محاولة تطوير عمله خدمة لكتاب الله العزيز , ولقد رأيته عصر يوم ربيعي جميل في معرض النجف للكتاب يجرّ خلفه مجموعة كبيرة من الاطفال جاء بهم ليتعلّموا حبّ القراءة والكتابة فبدا كأنّه راعٍ يشذّب ويهذّب خرافه الضالة .
رحم الله الشيخ حسن لقد أيقظ في رأسي فكرة المداومة على زيارة كربلاء في ليلة الجمعة , ورغم انني متخم بالتعب ومعطلٌ بلا هوادة , إلا أنه كان يغريني بالذهاب ويغويني بعنايته حتى تتعطل أجنحة رهبتي فننطلق بلا تعب صيفاً وشتاءاً , إنه اكبر من تأبين وأعظم من ذكرى تمر علينا ونتذكرها بالألم والحسرة , انه اسلوب حياة مختلف وتجربة عشق لم يكتب لها البقاء طويلا في ساحاتنا ولكنها تجربة خالدة بخلود الزاهد حسن .
رُحماك ما في القلب من غصّةٍ ابقت لفقدانك من باقية
يا دمعتي يا حسرتي ما جرى حتى هجرتَ مقلتي الباكية
هل كان حقّاً يوم ودّعتني تحت قباب المرتضى العالية
يا أوسع الأرواح يا زاهداً يا بسمة محبوبة غالية
يا نبل ايديك التي طالما أرّختُ فيها رحلتي الدامية
يا طاعماً جوعَ اليتامى وقدْ توسّطوا أيامنا القاسية
عانقتَ جنّات العلى هيتَ لكْ ومَنْ سواك أمُّه هاوية
أخوك هادي الشيخ طه
وفي الصورة سماحة السيد الاستاذ محمد صادق الخرسان(دامت بركاته) وهو يزور تليمذه الشيخ الشهيد حسن العتبي (رحمه الله) ...