الشهيدالسيّد نوفل إبراهيم الموسويّ (أبوشرار)
2023/06/10
(أسدُ اللهِ الغالب، ليثُ الحِجاز، كبشُ العراق)، ألقابٌ اشتَهَر وتفرّدَ بها أميرُ المؤمنينَ الإمامُ عليُّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) لِمَا أبداهُ مِن شجاعةٍ لا نظيرَ لها منذُ أوّلِ اختبارٍ له
يومَ باتَ على فراشٍ النبيِّ(صلى الله عليه واله وسلم)، ففاز فيه مخاطباً النبيَّ(صلى الله عليه واله وسلم)،: يا رسولَ الله، أتَسْلَم مِن كيدِهم، قالَ (صلى الله عليه واله وسلم)،: نَعَم يا عليُّ، فقال فداكَ نَفْسِي يا رسولَ الله.
وإنَّما كانَ سؤالُهُ ليطمئنَّ على سلامةِ رسولِ الحقّ، فلمّا حصل لديه الاطمئنانُ بسلامةِ أحمد المختار(صلى الله عليه واله وسلم)، فدَّاه بنفسِه، فباهى اللهُ ملائكةَ السّماء بإقدام عليّ ( عليه السلام) التضحيةِ بنفسِهِ ليبقَى أخوه المصطفى سالماً (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ، ويأتي الاختبارُ تلوَ الاختبار، ويثبت عليٌّ (عليه السلام)، ويتخاذلُ غيرُه، فصار (كاشف الكُرُبات) عن الإسلام، وعن وجهِ رسولِ اللهِ(صلى الله عليه واله وسلم)، ، فجاءت الشّهادة لعليٍّ بالشّجاعة من ربِّ العزّة على لسان الأمين جبرئيل)لا فتى إلا عليٌّ ولا سيفَ إلا ذوالفقار) ، ووصف الصّادقُ المصدَّقُ(عليه السلام)ضربةَ عليٍّ يومَ الخندق أنّها تعدلُ عبادةَ الثقلينِ ، ووصفه يوم خيبر بالكرّار، وورِث أولادُه الكرام صفاتَه، فصاروا ليوثَ الوغى، وفرسانَ الهيجاء، لا تثنيهم كثرةُ الرّجال، ولا قعقعة السِّلاح، ولا يهابونَ الموت، فيتَحدَّونَ الصِّعاب، حتى شَهِدَ لهم العدوّ قبل الصّديق، وهذه صفتُهم على مرِّ الدّهور والأزمان، وقد شهد لهم قائد الغرِّ المحجّلينَ وصيُّ ربِّ العالمينَ، إذْ قال ) عليه السلام)لو وَلَدَ أبوطالبٍ النّاسَ كلّهم لكانُوا شجعاناً( .
وقد عاصرنا في زماننا ثلّةً طيّبةً طاهرةً مِن أشبال الدّوحةِ الهاشميّة، كانوا سبّاقينَ إلى مواجهة طغاةِ الأرض وشذّاذ الآفاق، الذين أرادوا السّوء بأرض المقدّسات، فكان أشبالُ الإمام عليّ(علية السلام) وشيعته لهم بالمِرصاد، ومِن بينهم سليلُ الطالبيّينَ السيّد أبو شرار، نوفل إبراهيم طعمة أحمد الموسويّ، الذي لُقِّب بـ (أسد آمرلي)، بعد أنْ أذاق أعداءَ الله (الدواعش) مرارةَ الهزيمة، وجرّعهم الغُصَص، متحدِّياً لهم.
شهيدُنا المكرّم من مواليد( 1389هــ -1969م)، البصرة - قضاء شطِّ العرب، وسكنُه الفعليُّ في (أبو صخير)، وهو متزوِّج، ولديه ثلاثة أولاد وابنتينِ.
نشأ الشّهيد في أحضان عائلةٍ يتّصلُ نسبُها بالدّوحة المحمّديّة، موسويّة الأصل، عُرفت بمقارعتها للنظام العفلقيّ الكافر، إذْ كان لها الدّورُ الفعّال في الانتفاضة الشعبانيّة المباركة، وقدْ هاجرتْ الأسرةُ إلى إيران بعد سيطرة أزلام النظام المقبور.
التحق الشّهيد نوفل بصفوف المجاهدينَ، وتدرّب على أنواعٍ من الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، وتلقّى دروساً في العقيدة والتضحية والإيثار، فتسامتْ نفسُه الطاهرة حتى صار قدوةً للمجاهدينَ الأحرار، وكان مِن إيثاره أنّه التحق وشارك في أحد الهجومات بعد أربعة أيّامٍ مِن زواجِه، ومِن مواقفه التضحويّة التي تنمُّ عن جانبٍ كبيرٍ من الإيثار أنّه لم يحضر ولادةَ أيِّ أحدٍ مِن أولاده الخمسة، فهو دائم الحضور في جبهات القتال، وفي أيِّ تعرّضٍ أو هجومٍ يشنُّه المجاهدونَ على أزلامِ البعثيّينَ، وقد سجّلتْ الأهوار وشمال العراق صولاتِ هذا القائد المغوار، وقد عاد إلى بلده إبّان سقوطِ حكومةِ الطاغية صدّام، وكانت له مواقفُ مشرِّفةٌ في حفظ النظام، وبعدَ هجومِ أهلِ الشِّقاقِ والبِدَعِ ومَن أعانهم من البعثيِّينَ، قام الشّهيدُ ليقارعَ المجرمينَ والتكفيريّينَ في الرّمادي، ومِن ثَمَّ صار قائدَ عمليّات ديالى، وقاد كثيراً من العمليّات التي شتّتْ فيها أعداءَ الله وفرّق جموعهم، وأذاقهم مرارةَ الهزيمة، وفي كلِّ هذه المواقف الصّعبة كانت الابتسامةُ لا تفارقُ وجهَه، وكان رفاقُه يصفونَه بمهندس الابتسامة، إذْ كان يبعثُ في نفوسهم العزيمة والإرادة، ويقوِّي عقيدتهم بالمداومة على قراءة زيارة سيّد الشهداء، فكان له ارتباطٌ وثيقٌ مع أهل البيت(عليهم السلام)، إذْ لم يفرِّط في قراءة دعاء كميل في ليالي الجُمَع وبشكلٍ جماعيٍّ، و لم يترك زيارة المظلوم أبي الأحرار(عليهم السلام) حتى ليلة شهادته مع ما به من ألم الجراحات، فقد تعرّض مع بعض المجاهدينَ إلى عبوةٍ ناسفةٍ أُصيبَ جرّاءها بجراحاتٍ بليغةٍ نُقِل على أثرها إلى المستشفى، ولكنّه لمْ يَبقَ، وأصرَّ على الخروج بعد أن تلقّى العلاجَ مباشرةً، وقدْ امتلأ قميصُه دماً، فأبدله بملبسٍ أبيض، فقال له أحدُ رفاقه (إلبسْ الدِّرعَ )، فردَّ قائلاً:
(غداً ألقَى جدِّي مضرّجاً بدَمِي)، وفعلاً خاضَ في الصّباح آخِرَ معركةٍ له في (آمرلي)، ونال الوسامَ العظيمَ، وختمَ مسيرتَه الجهاديّةَ بالشّهادة، ولُقِّبَ بأسدِ المجاهدينَ في آمرلي، وأُطلق هذا الاسم (أسدُ آمرلي) على لوائه الذي كان يقودُه، وأرسل أهلُ المدينة إلى قائد اللِّواء وإلى أهل الشّهيد رسالةً يعزّونَهم برحيل هذا البطل الفذِّ، ويتعهّدونَ بجعل نصبٍ تذكاريٍّ للشّهيد في بوّابة آمرلي؛ اعتزازاً منهم بشجاعة أبي شرار، الذي نالَ مقامَه الرّفيع في تحرير بلدتِهم مِن دَنَسِ التكفيريّين وشذّاذ الآفاق، وكانت شهادتُهُ بتاريخ(31/8/2014).
هنيئاً لك لقاءَ أجدادِك الطاهرينَ، يا أسدَ المجاهدينَ، وسلامٌ عليكَ يومَ نلقاكَ مع أسدِ اللهِ الغالبِ أمير المؤمنينَ، والشّهداءِ والصدِّيقينَ، وحسُنَ أولئك رفيقاً.
شبّر السّويج