الشهيد أحمد قاسم كُوز الدّراجيّ
2023/06/13
صرخةٌ مدويّةٌ لم يزلْ صداها يصكُّ سَمعَ الدّنيا، وتُردّدها شِفاه الأحرار، وأفواه أُباة الضّيم، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ (لا يومَ كيومِكَ يا أبا عبدِ اللهِ) ، عقيدةٌ تتجلّى متجسِّدةً حاضرةً أمام أعيُنِ الصّابرينَ، حين يُبتلَونَ بنوائبَ وخطوبٍ شتّى، فهي لم تكنْ مجرّدَ كلمةٍ قالها الإمامُ الحسن(علية السلام) متنبِّئاً بما سيجري لأخيه سيّد الشهداء(علية السلام) ، ولتبقى شعاراً يتلوه الخطباء أيّام العزاء، بل غدتْ أُنشودةً ممزوجةً بنَغَم الشّهادة، ملوّنةً بحُمرةِ الدّماءِ، على مرّ الدّهور.
واليوم إذْ تكالبتْ أذنابُ بني أُميّة، وجراد حمَّالة الحطب، وخفافيش أبي لهب، من كلِّ كهوفِ الأرضِ وجُحور أصقاعها، صوبَ عراق الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) متوهّمةً أنّ بمقدورها إطفاءَ نور ثورة أبيِّ الضّيم، وإسكاتَ صوتِ زينب(عليها السلام) الهادر، وطمس حقيقة خطب الإمام السجّاد(علية السلام) ، التي لم تزلْ تصحر بفضيحتهم، لكنّ حقدَهم الدَّفين جعلهم يتوهّمونَ أنّ بإمكانهم تحقيق مالم يستطعْ صخرٌ أعمى البصيرة، ومعاويةُ الماكر القائل: (والله إلّا دَفْناً دَفْناً) ، ويزيد الفاجر، تحقيقَه وفعلَه، نَعم اليوم وفي هذه الظروف القاسية تنبري ثلّةٌ طيّبةٌ تنادي لبّيك يا حسين، لبّيك داعي الله، وتقف سدّاً منيعاً بوجه الغزاة، وكلّما رقى نجمٌ منهم إلى الخلود حمل أخوه الرّاية، مردّداً يا ليتنا كنّا معكم فنفوزَ فوزاً عظيماً، وكلّما زُفّ شهيدٌ منهم استقبلتْه أمُّه أو زوجتُه ولسانُ حالهما، «اللَّهُمَّ تقبَّل منّا هذا القُربان فداءً لوجهكَ الكريمِ»، ومهما كانَ جرحُهنّ عميقاً، فجرحُكم سادتي في أنفسِهنَّ وأنفسنا أعمقُ وأشدُّ إيلاماً، (والجرحُ يُسكنُه الذي هو أأْلَمُ).
ومِن بين تلك النجوم الزاهرة نجمُ الشّهيد السّعيد (أحمد قاسم كوز الدرّاجيِّ)، المولود عام(1402هـ -1982م)، متزوّجٌ ولديه بنتٌ، وينتظر مولوداً آخر.
نشأ في منطقة الخليليّة الواقعة في البصرة القديمة، درس الابتدائيّة في مدرسة عائشة، ثمّ تحمّل عِبْأ عائلةٍ كاملةٍ مكوّنةٍ من خمسةَ عشرَ فرداً بعد وفاة والده (رحمه الله)، ولم يشفعْ له كثرةُ مَن تحت كفالته مِن مطاردة البعثيّينَ، فأخذوه إلى الجيش قسراً في زمن الطاغية، ولم يمكثْ طويلاً، إذْ هرب وتخلّف عن الجيش لمدّة سنةٍ تقريباً، ثمّ سقط النظام وخرج ليعمل في الأعمال الحرّة، وجعل قسماً ممّا يحصل عليه من المال للإمام الحُسين(علية السلام) ، يُنفقُه في أيّام عاشوراء و زيارة الأربعينَ، وبعدها يسيرُ مشياً مع الزائرينَ ليصل إلى منار الأحرار سيّد الشّهداء(علية السلام).
ومَا أنْ تناهتْ إلى سمعِهِ فتوى المرجعيّة العُليا، عزم على التضحية والفداء، فأخذَ يبحثُ مع ابنِ عمِّه عن جهةٍ تُوصلهم إلى ساحات المجابهة بأسرعِ وقتٍ، فالتحق الشّهيدُ مع إخوانه المجاهدينَ، وشاركَ مرّتينِ قبل التحاقه بسريّة (البو درّاج)، لواء المنتظر في قاطعِ سامرّاء، وكان الشّهيدُ مِنَ السبّاقينَ المُبادرينَ في الدخول إلى المعركةِ ضدّ الدّواعش الأنجاس، ومطاردة فلول البعثيّينَ المجرمينَ.
كان بارعاً في حمل سلاح الـ(بي كي سي)، شارك في معارك كثيرة، منها في قاطع اليوسفيّة، والفلّوجة، وبَلَد، وجرف النّصر، وسامرّاء، وأثبت في هذه المعارك شجاعةً قلَّ نظيرها، وكان استشهادُه في تحرير تكريت، إذْ كان له الدّورُ الكبيرُ والفعّالُ، الذي يعكسُ التضحيةَ والثبات من أجل نصرة الإسلام وحِفظ المقدّسات من دنس التكفيريّينَ، كان عاليَ الهمّة، يتقدّم إخوانَه المجاهدينَ في الهجوم على أوكار الأعداء، لا يقبل بممانعتِهم له، كما بَانَ ذلك مِن جوابِهِ لأحدِ زملائه في أثناء المعركة، لمّا قال له: ارجِعْ فقد ولّوا هاربينَ، فقال: (ليس جميعاً، فهنالك مَن يُطلِق النّار علينا)، إلى هذا الحدّ كان أحمدُ شُجَاعاً، فهو لا يأبَه بالأعداء، فهم في نظرِهِ مجرّدُ طالبي فتنةٍ، يَقتاتونَ على إثارة النَّعرات الطائفيّة، ولا يحملُون صفاتِ الرّجولة، فهم يفرّونَ من المواجهة، هذا هو أحمد الدراجيّ، كادحاً يكفلُ عيالَ اللهِ، وحُسينيّاً ذو عقيدةٍ ولائيّةٍ، وزوجاً يمثّل السّكن والأُنس لأهله، وأباً عطوفاً يحملُ في جَنَانِهِ معنى الأبوّة لبنتِهِ وجنينِ الأحشاء الذي لم يرَه بعينه وأحسَّ به بأبوّته، ومقاتلاً مقداماً هِزَبراً لا يهابُ الحُتوف، وشهيداً نال العزّة والكرامة والإباء بتاريخ (2015/2/24 م) في تكريت.
فطوبى لك أيّها الغيورُ الأصيلُ، وطوبى لأمٍّ أنجبتك، وطوبى لأسرةٍ رعتْكَ، وطوبى لأهلٍ ودّعتْكَ، وطوبى لأبناءٍ أنتَ السّببُ في وجودِهِم.