أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشّهيدُ السّعيدُ السيّد مُسلم مَهدي الطيّار
2023/06/14
جرت سنّةُ الله (عز وجل) في خَلْقِه أنْ يختارَ مِن بين عبادِه أُناساً يكونونَ سادةَ قومِهم، وأفضلَ أهلِ زمانِهم، فإنّها سنّةُ اللهِ تعالى في أرضِه، وسنّته في عبادِهِ، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا) ، ( وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُم الخِيَرَة) ، وليشكّك في ذلك مَن يشكّك، وليعترِض على ذلك مَن يعترِض.
فاللهُ تبارك وتعالى اختارَ آدم (علية السلام) وجعلَه سيّد أهلِ زمانِه، وجعل نوحاً(علية السلام) سيّد أهل زمانِه، واختار آلَ إبراهيمَ(علية السلام) وجعلَهم سادةَ أهلِ عالَمِهم، واختار آلَ عمران(علية السلام) وجعلَهم أفضَلَ أهلِ زمانِهم، واصطفَى آلَ محمّدٍ(عليهم السلام) على العالَمينَ، فجعلَهم سادةَ الأوّلينَ والآخرينَ إلى قِيَامِ يومِ الدّين:(إنَّ اللهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوْحَاً وَآلَ إبْرَاهِيْمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِيْنَ) ، وليسَ اختيارُ اللهِ محاباةً، تعالى اللهُ عن ذلكَ علوّاً كبيراً؛ بل اصطفاهم واختارهم لعلمِه بمَا امتلكتْه ذواتُهم القدسيّة من كمالاتٍ وصفاتٍ ومؤهّلاتٍ جعلتهم مؤهّلينَ لهذا الاصطفاء الربّانيّ، قال تعالى:(وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، فوجدهم خيرَ مصداقٍ للإنسان الذي أرادَه، فأسجَدَ له ملائكتَه، وجعَلَه خليفتَه في أرضِهِ وبريّتِهِ، فكانُوا خزّانَ علمِهِ، وتُرجمانَ وحيِهِ، ووسائطَ الخلائقِ إليه وشفعاءَهم لديه، فسعَدت الخليقةُ بهم، وأشرقَت الدّنيا بنورِهم؛ لأنّهم مصدرُ الخَير ومنبعُه، وأوتادُ الأرض وحماتُها من الانحراف والضّلال في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وما زال هذا النبعُ الصّافي والبيتُ المحمّديُّ العلويُّ مصدرَ رحمةٍ وأمانٍ مِن كلِّ الفِتنِ والمخاطِر التي تعصِفُ بالإسلامِ والمسلمينَ، فها هو اليوم سليلُ رسولِ اللهِ آية العظمى السيّد عليّ الحسينيّ السيستانيّ(دام ظلُّه الوارف) يُبطِلُ بفتواه وموقفِه كلَّ مخطّطاتِ الكُفْر والكافرينَ والمنافِقينَ، الذين أرادوا لهذا البلد وأهله السّوء، فهبَّ لذلك أبناءُ هذا البلدِ بمختلف طوائفهم وقوميّاتهم وعناوينهم، وكان مِن بينهم رجالٌ مِن السُّلالةِ المحمّديّةِ والدّوحةِ الهاشميّةِ الذين ورِثوا الصّفاتِ الكريمة والخُلُقَ النبويَّ العظيمَ والبسالةَ والشّجاعةَ العلويّةَ، منهم
الشّهيد(مسلم مهدي فالح حسن)، من مواليد عام( 1399هـ - 1979م)، البصرة قضاء شطّ العرب، ويسكن في منطقة نظران في البصرة القديمة، متزوِّجٌ وله وَلَدٌ وثلاث بنات، يعمل سائق (شفل) في بلديّة البصرة، كان حسن السّيرة، ذو خُلُقٍ رفيعٍ، كريم النّفس، روي عنه يوماً أنّه كان في محلّ عمله ورأى أحدَ العاملينَ معه، وكان رجلاً مسنّاً ذا شيبةٍ ووقار، وقد هُدِّدَ من أحد الأشخاص، وهو يُطالبُهُ بأنْ يُرجِعَ إليه المال الذي استدانَه منه، فحار جواباً، إذْ كان معسَراً، فتقدّم السيّد مسلم، وقال: يا عم لا تهتمّ، وضمن المال، ثمّ قدّمه إليه مِن راتبه الشّهريّ الذي لم يكن يملك سواه.
وطّن الشّهيدُ نفسَه على الشّهادة، ونقل عمُّهُ أنّ (مسلماً) في آخر نزولٍ له-وقبل أنْ يلتحقَ بساحاتِ الجهاد- بانتْ على وجهِهِ علاماتُ الشّهادة والفِراق؛ لذا كان يقول لأهله أنا جئتُ لأودِّعكم، وأتمنّى مِن اللهِ أن يرزقَني الشّهادة، وسلّم جرّافته إلى المهندس المسؤول عنه في محلِّ عملِه؛ لأنّه قرّر عدمَ العودةِ إلى العمل، والتحقَ إلى سُوح النِّزال، وشارك في عدّةِ معارك، منها جرف النّصر، و معارك ديالى، وسامراء، وبَلَد، وآخرها شمال سامراء، إذْ نال فيها وسامَ الشّهادةِ بتاريخ (2015/3/2م)، وقدْ روى زملاؤُهُ المجاهدونَ موقفَه البطوليَّ الذي يُنبِئ عن شجاعته ومدى بسالته، وكيف لا يكون كذلك، وهو حفيدُ المقدام الأوّل في كلّ الحروب والمواجهات، فكان لحفيده الشّهيد السيّد مسلم الدّورُ البطوليُّ من هذا القبيل، إذْ إنّ الأعداء كانوا متحصّنينَ في دارٍ ملغّمةِ المداخل، منتشرينَ على سطحها، و كلّما تقدّم إليهم أحدُ المجاهدينَ كانَ هدفاً لبنادقهم وقنّاصيهم، وهذا التحصّنُ من الدواعش جعل المجاهدينَ في حَيرةٍ من ذلك، إلا إنّ الشّهيد لم يستطعْ صبراً، وجاء إلى آمر سريّته يطلب منه أنْ يتقدَّم ويهاجم الأعداءَ، فطلب منه التريّثَ، ولكنّ الهاشميَّ - كأجداده- كان أبِيَّ الضّيم، فركب جرّافةً ( شفل) رافعاً أسنان ذراعِها أمامَه كي يتّقي بها نيرانَ العدوِّ، فوصلَ الدّارَ وقلعَها مِن مكانِها بعد أنْ جاءه وابلُ رصاصِهم، فأزالَ الدّار وأسقطها على مَن فيها بما فيها، إلا إنّ الدّار كانت ملغّمةً فانفجرتْ، فأخذَه عصفُ الانفجار وقوّته، فارتَطَم بمؤخّرة الجرّافة، فإذا به يستنشقُ نسيمَ الشّهادة وعطرَها، سائراً مع قوافل الشّهداء، فَسَلامٌ عَلَيهِ حينَ لبّى دَعْوَةَ الحقّ، وسلامٌ عليهِ حينَ تقدّم فريداً، وسلامٌ عليهِ حِينَ سَقَطَ شهيداً.
مدرك الحسّون