أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشّهيدُ ثائر جاسم محمّد المحمّداوي
2023/06/15
لقد كان حُبُّ الشّهادةِ والتسابق للوصول إليها أهمَّ عُنصرٍ من عَناصر القُوَّةِ لدى المُسلمين على مرِّ العُصور، فالذي يُؤمِنُ بعالم الغيب وأنَّ مِن ورائه عالماً آخر يُثابُ فيه، فإنّ عزيمته تَشتدُّ وتَقوى بِهذا الاعتقاد والإيمان.
كان -ولم يَزل - أكثر شيءٍ يَخافُ منه أعداءُ آل محمّد(صلى الله علية واله وسلم ) هو حُبّ الشَّهادة لدى أتباع آل البيت(عليهم السلام)، فعقيدةُ حُبِّ الموتِ التي يَسعى إليها الشَّهيد هي غايتُه العظمى، ومُنتهى أملِهِ، ولا شكَّ في أنَّ دِماءَ الشُّهداءِ لها الأثرُ الكبيرُ في شَحذِ هِممَ المُؤمنينَ؛ لكون الشَّهيدِ قُدوةً لهم، إذْ إنَّ دَمَهُ يَبعثُ فَيهم رُوحَ التضحيةِ والفِداءِ.
فالشَّهيدُ لا يَعرفُ المُداهنة في الحقِّ ولا المُساومةَ على حِسابِ الدّينِ والمُقدّساتِ، ولا يَرضى بأنْصَاف الحلول، فالإخلاصُ هُو أوَّلُ الطريقِ إلى مَرضاةِ الله(عز وجل)، والتسليمِ لقضائهِ، والعملِ بمُقتضى إرشاداته الشرعيَّة، والالتزامِ بأحكامه المُتمثِّلةِ بفتاوى المَراجع نُوَّابِ الإمامِ(عجل الله فرجه الشريف) وكذلك مُراقبةُ النفسِ والإرادةُ والصّبرُ، هي عواملُ يَصلُ بها الإنسانُ إلى أسمى ما يَتمنّاه، وهي الشَّهادةُ والانسلاخُ مِن هذه الدُّنيا الدنيئةِ إلى عالم المُثل والقِيَم والأخلاق .
ففي الإسلام تُعدُّ الشّهادةُ عُنوانَ الحَياةِ للأُمّةِ، ومِشعلاً يُضئُ مُستقبلها ويفتحُ آفاقاً جديدةً ومضيئةً لِحياةِ أفرادها، ويَرسمُ لَهم مِنهاجَ الصِّدقِ وطَريقَ الحقِّ والهِدايةِ والنّور، فمَن بَذلَ النَّفسَ وتَركَ الدُّنيا وزِينتَها وما تَحتويه مِن إغراءاتٍ من أجلِ قضيَّةٍ مَصيريَّةٍ للأُمَّةِ والمَذهبِ فهُو بِذلك يَستحقُّ الحَياةَ الحقيقيّةَ الأبديَّةَ، التي قَال عنها اللهُ(عز وجل)،:
(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) ، ومِن هذا المُنطلقِ لبَّى شَهيدُنا السَّعيدُ (ثائر جاسم محمّد المحمداويّ) نِداءَ ربِّهِ وفتوى المَرجعيَّةِ، حِين رأى الخَطرَ يُداهمُ هَذهِ الأُمّةَ وقد تَكالبَ عليها الأشرارُ مِمَّن يُضمِرونَ الحِقدَ الدَّفينَ لأهل البيتِ(عليهم السلام) والمَذهبِ والإنسانيّةِ، فقد كان شهيدُنا يَتأمّلُ تلك الصُّورَ للشّهداءِ الأبطال وهي تُزيّنُ البيوتَ والشَّوارعَ، فنمى في أعماقِ نفسِهِ هاتفٌ يُنادي حيَّ على الجِهادِ، وكان يُردِّدُ دَوماً كَلمةَ (يا ليتنا كُنَّا مَعكم فَنفوزَ فوزاً عَظيماً)، وكان عندما يقفُ للصّلاة تأخذُه السّكينةُ والخشوعُ، فتلمَسُ في عينيهِ نظرةَ شَوقٍ إلى الشَّهادة، وتأمّلٍ خفيٍّ فيه اعتذارٌ أنّ لديه طفلين (كاظم وفاطمة)، ليس لديهم موردٌ ماديٌّ ثابتٌ، إذْ إنَّه (رحمه الله) كانَ كاسباً؛ لكنَّه رجَّحَ الشّهادةَ في سَبيلِ اللهِ، وأوكَل أمرَهم إلى بارئهم.
فتخطّى الشَّهيدُ كُلَّ هذه العَقباتِ بِفضلِ تَعلّقه بأهل البيتِ (عليهم السلام)، إذْ كانَ يَدأبُ على زِيارتهم مَرّتين فِي كُلِّ شَهرٍ، فهُو فِي حُبٍّ وعشقٍ دائمٍ لآلِ مُحمّدٍ والسّيرِ على خُطاهم.
وما أنْ تَعرَّضتْ البِلادُ إلى هَجمةٍ شرسةٍ مِن أعداءِ الإسلامِ والمذهبِ، وصَدرتْ الفتوى المُباركةِ بالجِهادِ الكفائيّ، لبَّى الشّهيد ثائر نِداءَ المرجعيّة، وكانتْ له الخبرةُ العسكريَّةُ التي اكتسبها مِن الجيشِ السَّابقِ، فالتحقَ بِصفوفِ الجِهادِ والحشدِ الشعبيّ، ورابَطَ في مُقدّمةِ الثُّغورِ والكَمائن، يُوجِّهُ المُقاتلينَ والمُجاهدينَ ويَشحذُ هِممَهُم.
وحِينَ أُصيبَ في إحدى المَرَّاتِ لمْ يَتركْ سَاحاتِ العِزِّ والإباءِ، ولم يُغادر المعركةَ،
وأصرَّ على تَلبيةِ نِداءِ الشّهادةِ، وكان على موعدٍ مَعها، ففي يَومِ نُزولهِ أخذَ يُوصي إخوتَهِ المُقاتلينَ، ويُبيّنُ لهم مَناطقَ القُوّةِ والضَّعفِ عِند الأعداءِ، وما هي إلا لحظاتٌ حتّى أصابتْه رصاصةٌ وقعَ الشّهيدُ ثائر على إثرها على الأرض، يُنادي يا اللهُ يا اللهُ، فنال بذلك أسمى مراتب النُّبل والقِيَم بتاريخ (2015/2/23م)، فكانَ ثائراً بحقٍّ على الظُّلمِ والعُدوانِ.
وقدْ أوصى زُملاءهُ قبلَ أنْ تَرتفعَ روحُه أن يَقومَ أخوه الأكبر مُحمّد بِتغسيلهِ والاهتمام بأطفاله.
فالسَّلامُ عليهِ يَومَ وُلِدَ، ويَومَ لبَّى نِداءَ المَرجعيّةِ، ويَومَ استُشهِدَ، ويَومَ يُبعثُ في القيامة حيّاً مع مَن يتولّاهم مُحمّدٍ وآلِه ( صلّى اللهُ عليهم أجمعينَ).