الشّهيدُ عَزيز كاظم شويش
2023/06/20
خَلق اللهُ (عز وجل) الإنسانَ واصطَفَاه لِيجعَلَهُ خَليفَتَهُ في الأرض؛ فَكان لِزاماً على ذَلك الإنسان أنْ يَتسَامى وتَتجلّى فِيهِ صِفاتُ البَارئ (عز وجل) ولِهذا كانَ مَبدأُ التفاضلِ بينَ أَبناءِ آدم (علية السلام) عَلى أسَاسِ تقوى اللهِ، وَحُبِّ المَخلُوقِ لِخَالقهِ، وامتثالِ أوامِرهِ واتباعِ الأنبياءِ، والأولياءِ الذينَ يَحمِلونَ رسالاتهِ، وبمقتضى الحال لابُدَّ أَنْ يَدفعَ العَبدُ ضَريبةً لهذا التَقرّبِ؛ بسببِ وجودِ عدوٍّ يَترصَّدهُ، وهو إبليسُ الرجيمُ الذي أقسَمَ بِعزَّةِ اللهِ أَنْ يَقعُدَ في طريقِ العَبدِ ويُغويهِ عَنْ صِراطهِ القَويمِ المُوصلِ إلى الكمالِ، واستثنى عبادَ اللهِ المُخلَصينَ، قَالَ تَعالى: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْـمُخْلَصِينَ ، وإنَّما كَانَ هَذا العَداءُ ـــ ومَازالَ ـــ مِن الشيطانِ الرجيمِ حَسَداً لآدم(علية السلام) أنْ كانَ مِنْ المأمُورينَ بِالسُّجُودِ للذي اصطفَاهُ رَبُّ العالمينَ؛ لِيكُونَ خَليفتَهُ في الأرضِ، فأمهَلهُ اللهُ إلى يومِ الدّينِ؛ لِيَبْتليَ عِبادَهُ المُؤمنينَ، فَتربح تِجارةُ مَن شَرَى نَفسَهُ لِبُلُوغِ مَرضاةِ إله العالمينَ، ويَخسر المُبطِلُونَ الذين وَقعُوا في شِراكِ اللَّعينِ الرجيمِ، وفي قِبالِ هذا الابتلاءِ فَتحَ اللهُ أبواباً كثيرةً للوصُولِ إلـى الكمالِ، إلّا إنَّ أبرَزَها وأَكثرَها اختصاراً هُو طريقُ بَذلِ النفسِ، التي هـي أَغـلى مَا يَـملكُ الإنسانُ فـي هَذهِ الدُّنيا، إذْ يُوصِلُهُ هَــــذا البَذلُ إلـى مَرتبةٍ عُليا هـي مَرتبةُ الشّهادةِ التي فِيها الحياةُ الأبديّةُ والرزقُ الكريمُ، والتي لَنْ يَنالَها إلّا ذُو حَظٍّ عَظيمٍ .
ولمَّا كُنَّا نَعيشُ فِـي زَمَنٍ اتّحدَ بـِه أعــداءُ الرسالةِ المُحمَديَّةِ، أعــدَاءُ أميـرِ المُؤمِنينَ (علية السلام) لِلنيلِ مِن عِـراقِ عَليٍّ والحُـسين (عليهم السلام)، و إعادةِ مصائبِ كربلاء مِنْ قَتلٍ و سَـبيٍ وحـَرقٍ، كانَ لِفتوى المَرجعيَّةِ العُليَا الأثرُ البَالغُ فـِي نفُوسِ مَنْ عَشِقَ الشّهادةَ؛ فَتسَابقَ أَنصارُ الدّينِ وعُشَّاقُ الإمامِ الحُسينِ (علية السلام) لِتَلبيةِ النداء المُقدَّسِ مُفجِّرينَ مَا بهم مِن طمُوحِ الوصُولِ إلـى الشَّهادة الـتي يَتمنّاها الإنسانُ، وبُلُوغ الصّحوةِ مِنْ الموتِ المعنويّ فـي هذه الحياةِ المليئَةِ بالظُّلمِ إلى الحياةِ الأبديَّة الباقيةِ بالموتِ، وإفناءِ الجَسَدِ، نَعم فالحياةُ مع الذُلِّ والعَارِ موتٌ حَقيقيٌّ فـِي هذهِ الدُّنيا، فَعُمرُ الإنسانِ قصيرٌ، ومصيرهُ لابدّ صائرٌ إلـى الموتِ والفَناءِ، ولكنْ، أيُّ مَصيرٍ يَنتظِرَهُ إذا أفـنى جَسَدَه، واختارَ الكمالَ؟ نَعم إنَّها الشَّهادةُ التي يَسمُو فيها إلـى حياةِ الخُلودِ والنعيمِ الأبديّ، لذلك نحنُ نَقفُ عاجزينَ أَمامَ الشَّهيدِ، ومهما تكلَّمنا أو أبحرنا في عالَمه فلَنْ نَستطيعَ أنْ نُوفِّـي قَطرةً مِن دَمِه الطّاهرِ.
ومِن هؤلاءِ الذين حَصّلوا هذهِ المِنحةِ الربَّانيَّة شهيدُنا السَّعيدُ البطلُ (عزيز كاظم شويش) المولودُ في البصرةِ - منطقة التميميّة عام(1394#- 1974م) .
سَكنَ الشهيدُ عزيز قضاءَ أبـي الخَصيبِ، وكانَ يعيشُ حياةً مِلؤُها التعبُ، فَلمْ يَعرفْ الراحةَ و الترفَ فيها، إذْ كانَ يَعملُ صيَّاداً فـي مَوسمِ صيدِ السَّمكِ، ولم يكنْ يَملِكُ سوى بلماً يَستخدِمهُ لِغرضِ كَسبِ رِزقِهِ الحلالِ، وبعدَ انتهاءِ الموسمِ يعُودُ إلـى العملِ الحُرِّ وكسْبِ لُقمةِ عَيشِهِ بِكُلِّ فخرٍ واعتزازٍ .
امتازَ الشهيدُ بِعطفِهِ وحنانِهِ، فُهو أبٌ حَنُونٌ لستَّةِ أطفالٍ عاشَ معهم حياةً بسيطةً بكُلِّ ما لهذهِ الكلمةِ من معنى، وقدْ تعلّقَ قلبُه بسيِّدِ الشهداءِ الإمامِ الحُسينِ(علية السلام) ، وجسّدَ هذا الحُبَّ بموكبٍ لخدمةِ زوَّارِ أبـي الأحرارِ (علية السلام) ، يقضي فيه عشرةَ أيَّامٍ فـٍي البصرةِ، ثُمّ يتّجهُ إلـى كربلاءَ سيراً على الأقدامِ؛ لِيخدمَ بموكبٍ في مدينةِ كربلاءَ بقيَّـةِ أيّـامِ الزيارةِ الأربعينيَّـة .
هكذا كانَ حُبُّـهُ للإمامِ الحُسينِ(علية السلام) وآل بيتـهِ الأطهارِ (عليهم السلام)، ووطنِهَ العِـراق، فشرَّفَهُ اللهُ واصطَفاهُ أنْ يكونَ مِن أصحابِ الحظِّ العظيمِ، فما أنْ سمعَ نداءَ المرجعيّةِ العُليا للجهادِ الكفائيّ حتّى لبّى النداءَ الإلهيَّ مُدافعاً عن المُقدَّساتِ و الوطنِ .
شَاركَ فـي قاطعِ بلد والإسحَاقـيِّ، وكانتْ لَهُ صَولاتٌ وبُطولاتٌ في ساحات الوغـى، وكانَ كثيراً ما يروي لأبنائهِ وأهلهِ قصصَ الدِّفاعِ المُقدَّسِ عنْ الدّينِ والأرضِ، وفي المرّةِ الأخيرةِ التي التقى بها أطفَالَهُ وَدَّعَهم، واحتَضَنهم طويلاً، وأجهشَ بالبكاءِ، ولَمْ يَعرفْ أحدٌ السّبَبَ، لكنَّها علاماتُ الفِراقِ والشّهادةِ، إذْ أخَذَ يُوصي أخاه وَزَوجَه بأَطفَالِهِ.
وفي ساحةِ العِزِّ والشرَفِ وفي مُواجهةٍ شديدةٍ مع عِصابات داعش الكافرةِ كانَ على موعدٍ لِيكونَ أحدَ السُّعداءِ، وأن يسقطَ مُضرَّجَاً بدَمِ الشهادةِ بتاريخ (2 /1/2015م)، فتلقّى أهلُهُ خبر استشهادِه بفخرٍ واعتزازٍ، والزغاريدُ تملأ بيتَه من قبل شقيقاته وجاراته.
هكذا هي الحياة .
فأمّا حياةٌ تسُرُّ الصّديقَ
وأمّا مماتٌ يغيظُ العِدَا
فلَكَ أيُّها الشّهيد منّا كلَّ احترامٍ وإجلالٍ، فأنتَ نبضُ الحياةِ لنا .