الشّهيدُ السّعيدُ فريد يعقوب حسين العبَاديّ
2023/06/28
الشّهيدُ السّعيدُ فريد يعقوب حسين العبَاديّ
الشهادةُ مقامٌ عظيمٌ عندَ اللهِ لا يَصلُ إليهِ إلا مَن مَحّصَ اللهُ قلبَهُ للإيمانِ، فَيُمتَحَنُ ويُبتلى ويصبرُ ويُصابرُ ويتسامى، فَيُصبحُ شهيداً ويَرتَقِي إلى مَقامِ (علّيّينَ)، لهذا روي أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله علية واله وسلم)أخبرَ ولدَهُ الإمام الحُسينَ(علية السلام ) بأنَّ لَهُ درجةً في الجنّةِ لا يَنالها إلا بالشّهادةِ ، والشهيدُ هو من يُقتَلُ في سبيلِ اللهِ تعالى، وسمِّي شهيداً؛ لأنَّهُ يَكونُ شاهداً على بُرهَةٍ زَمنيّةٍ عاشَها وشهِدَ على ما فيها من خيرٍ أو شرٍّ، أو مِن ظلمٍ وتضييعِ حقوقٍ، وكلُّ مَن يُقتلُ دفاعاً عن الدينِ والمذهبِ الحقّ، أو يُقتلُ ظلماً وعدواناً مدافعاً عن أرضهِ، أو مالهِ، أو عرضهِ، فَهُوَ شهيدٌ حتماً،( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .
فالشهادةُ منزلةٌ يستحقّها مَن صبرَ صبراً جميلاً على نصرة دين الله تعالى، فقادَهُ الصّبرُ إلى سفكِ دَمِهِ في طاعةِ اللهِ، فاستحقَّ به أنْ يَكونَ يومَ القيامةِ من الشهداءِ والشفعاءِ، ومِن مرافقي الأنبياءِ والصّالحينَ، وحسُن أولئك رفيقاً، وحُرِّمَ جَسَدُهُ على النّارِ، فَفِي الحديث: (لا يَجْتَمعُ غُبارٌ في سبيلِ الله ودُخانٌ في جهنّم في منخَرَي مؤمنٍ أبداً) .
ومن أولئكَ المجاهدينَ الذينَ نالُوا وِسامَ الشرفِ والشهادةِ على أرضِ بَلَدهِ مدافعاً عن العقيدةِ والكرامةِ، الشّهيد (فريد يعقوب حسين العبَاديّ) من محافظة البصرة، ومن سَكَنةِ منطَقةِ الجزيرةِ الثالثةِ، وهوَ من مَواليد (1393هــــ-1973م)، وكانَ عمَلهُ (ميكانيك سيارات)، متزوّجٌ ولَهُ ثلاثةُ أولادٍ وأربعُ بناتٍ.
كانَ الشّهيدُ رَحِيمَ القلبِ عطوفاً على أسرتِهِ، ومَحْبُوباً عند كلِّ مَنْ عَرَفَهُ، خَدُومَاً لِمَنْ يَطْلبُ مِنْهُ المُساعدة.
ووُصِفَ الشهيدُ بالتقوى للهِ تعالى، والمواظبةِ على الزيارة عموماً، وزيارة الأربعين خصوصاً، سَيراً على الأقدام، فلم يَتركْها إلى ما قبلَ استشهاده، إذْ صادفت إجازتُهُ في موسم الزيارة، فاستثمرَ الفرصةَ، وذهبَ مشياً على الأقدام إلى أبي الأحرار(علية السلام ) من البصرة إلى كربلاء المقدّسة، كعادتِهِ في كلِّ عام.
وكانَ لديه مَوكب (زنجيل) مع أهَالِي المنطَقة، يَخْدمُ فيه، ويَبذلُ أموالهُ في تهيئةِ الطعامِ وتوزيعِهِ في سَبِيلِ اللهِ وصلةِ أهل البيت.
التحق الشّهيدُ بصفوفِ المجاهدينَ وقتَ صدورِ فتوى الجهادِ الكفائيّ، إذْ كان الشّهيد وقتها يؤدّي أعمال الزيارة الشعبانيَّة، فَهَمَّ بالرجوعِ إلى البصرةِ قبلَ مَوعدِ الزيارة؛ لِيَتَطَوّعَ للجهادِ، وبعدَ ما أنهى أعمالَ الزيارةِ عادَ مُسْرِعَاً، وتَطوّعَ والتحقَ مباشرةً إلى صلاح الدّين؛ لأنَّهُ عسكريٌّ سابقٌ، وَلَديهِ خبرةٌ واسعةٌ في استعمالِ أنواع الأسلحةِ المختلفة، فتواجدَ في منطقةِ بَلَد والمناطق المحيطة بها.
شغلَ الشّهيدُ مَنْصِباً قياديّاً في الحشدِ الشعبيّ، إذْ كانَ آمرَ سريّةٍ، ولهُ الدّورُ الفعّالُ في قيادةِ سريّتِهِ، فَهُوَ رمزٌ يُقتدى به، ومِثالٌ يُحْتَذى في البسالةِ والإقدامِ، فكان استشهادُهُ خسارةً كبيرةً لمجموعتِهِ.
وقد وصفَ لنا أصدقاءُ الشّهيدِ بطولَتَهُ في ساحاتِ القتالِ، وتكلّموا عن شَجاعَتِهِ وَصَلابَتِهِ، وذكروا أنَهّ مِن أشجعِ الموجودينَ، فكانَ دائماً في المقدّمةِ لا يَهابُ الموتَ أبداً؛ وذكروا أنَّ سببَ شهادته هو دفاعُهُ عن أصدقائِهِ عندَما تَعَرّضُوا للهجوم في مِنطقة بَلَد، إذْ كان الهجوم عنيفاً استمرّ لمدّة يومين، فأُصيبَ الشّهيدُ برصاصتينِ، الأُولى في صدرِهِ من الجهةِ اليمنى، والثانيةِ كانَتْ في ظهرِهِ بَعدَ أن غَيّرَ اتجاهَه، ما أدّى إلى استشهاده في (20/11/2014م)، وقد صَعُبَ على أثرهِ نقلُ جثمانه الطاهر من ساحة المعركة إلا بعد اليومين في سيارةٍ مُصفّحة مضادّةٍ للرصاص.
ووصلَ خبرُ استشهادِهِ إلى ذويهِ فتلقّوا الخبرَ وألسنتُهم تَلهجُ بشكرِ اللهِ على تَحقِيقِ أمنيةِ الشّهيدِ، ولسيرتِهِ الطيِّبَةِ ومعاشرته الرائعة هبَّ الجميع إلى تشييع جثمانِهِ الطاهر، فكانَ تشييعاً مهيباً يلِيقُ بعرسِ الشّهادةِ، وقَد سارَ المشيّعونَ به مسافاتٍ واسعةً، من مكان سكنهِ إلى جسر خالد.
فهنيئاً لك الشّهادة يا مَنْ بَذَلتَ رُوحَكَ وَدَمَكَ الزاكي في حفظِ بَيضَةِ الدّينِ، وَرَفَعتَ لواءَ الجهادِ ضدَّ الباغينَ، فَحَشَرَكَ اللهُ في أعلى علّيّينَ، وأنالَنا شَفَاعَتَكَ يَومَ الدّينِ، وَجَعَلَ هذه السُّطور وِصالَ معرفةٍ بيننا وبينك يَومَ نَلقَاكَ بجوارِ سيّدِ المرسلينَ وآلهِ الطاهرينَ وَصَحبِهِ المنتجبينَ.
باقر طارق مهدي