الشهيد السيّد ناصرُ عبد الرزّاق أحمد البطّاط
2023/07/02
السيّد ناصرُ عبد الرزّاق أحمد البطّاط
بدأتْ رسالةُ الإصلاحِ مُنذ بِعثةِ الرُّسلِ، وهي مُتجدِّدةٌ على مَرِّ الدُّهورِ، لقلعِ جُذورِ الشرِّ المُتأصّل في نُفوسِ المُفسدينَ مِن شَياطينِ الإنسِ الذين هُم أكثرُ غِوايةً مِن إبليس الرَّجيمِ، من هُنا يأتي الوعدُ الإلهيُّ بالنصرِ للمُستضعفين)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ( ، على يدِ المُصْلحِ الموعودِ وارثِ الأنبياءِ والمُرسلينَ، والآخذِ بالثأرِ لِكلِّ المَظلومينَ والمُضطهدين، لاسيّما الغَريبِ المظلومِ بأرضِ كربلاء، سيّدِ الشُّهداءِ صاحبِ رِسالةِ الإصلاحِ في أُمّةِ جَدّهِ رسولِ اللهِ (صلى الله علية واله وسلم)، الذي صدّرَ ثَورتَه على طُغاة بني أميّة بوثيقةِ الإصلاحِ التي تقولُ:
«ألا وإنّي لم أخرجْ أشِراً ولا بطِراً ولا ظالماً ولا مُفسِداً، وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمّةِ جدّي رسولِ اللهِ، لآمرَ بالمعروفِ وأنهى عن المُنكرِ...» ، وها نَحنُ نَعيشُ في زمنِ غيبةِ الوليِّ المُصلح(عجل الله فرجة الشريف)، وقد تكالبتْ علينا قُوى الشرِّ والظلام، التي لا تالُو جُهداً في هدمِ الدّين وطَمسِ العقيدةِ الحقّةِ بتزييف الحقائق، وكيلِ التُّهمِ، وإظهارِ الباطلِ بصورةِ الحقِّ، فها هُم ورثةُ شياطينِ عصرِ الرّسالةِ يرفعونَ كلمةَ لا إلهَ إلّا الله ليضَلِّلوا السُّذَّج مِن النَّاسِ، الذين لا يعرفونَ شيئاً عن التأريخ، فعَمرو بنُ العاص صاحبُ السَّوأةِ في ميدانِ الحربِ يعودُ - بعدَ أن عفَّ عنه ليثُ الوغى أميرُ المؤمنين (علية السلام)- ليرفعَ المصاحفَ على رُؤوسِ الأسنّةِ، فيسقطَ في شَرَكِ مكرِهِ الخوارجُ، الذين رفعُوا رايةَ (الحكم للهِ لا لك يا عليّ)، واليومَ يرفعُ ورثتُهم (الدواعشُ) الشِّعارَ نفسَه، وأفعالُهم الفِعالُ نفسُها، من بقرِ البُطونِ، وقتلِ الرضّعِ، وحرقِ الأحياءِ، وطمسِ معالمِ الدّين، والمُصيبةُ الأعظم سُقوطُ مَن يُحسبُ على أهلِ العِلمِ في شِراكِ أبالسةِ العصرِ الضَّالِّينَ المُضلِّينَ، لكنَّ ما يُهوِّنُ الأمرَ ويُدخلُ على القلبِ السّرورَ، تصدّي الشرفاءِ وأصحابِ الغيرةِ على الدّينِ، وحُماةِ المُقدّساتِ لهم، رافعينَ رايةَ الإصلاحِ والجِهاد ضِدَّ هؤلاءِ الذّئابِ البَشريّةِ، وعلى رأسِ هؤلاءِ المُتصدّينَ العُلماءُ الأعلامُ، ورثةُ رِسالةِ الأنبياءِ الإصلاحيّةِ الذين صَدَّروا التوجيهاتِ والإرِشاداتِ لبيانِ زيفِ مُدّعياتِ إعلامِ التكفيريّينَ والوهَّابيّينَ والمُغرضينَ، فسارتْ الحُشودُ الشَعبيّةُ مُلبّيةً دَعوةَ المُصلحينَ الأبرارِ، مُستعدِّةً للتضحيةِ بِكلِّ شَيءٍ لحِفظ بيضةِ الدّينِ الحنيفِ، وكرامةِ أهلِ الإسلامِ، سائرينَ على نَهجِ الإمامِ الحُسينِ(علية السلام)- في طلبِ الإصلاحِ، مُحافظينَ على توجيهاتِ نُوّابِ إمامِ العصرِ(عجل الله فرجة الشريف) قائدِ المُصلحينَ، وقد أعطَوا شُهداءَ في مَسيرةِ الإصلاحِ هُم خِيرةُ الرِّجالِ والشبابِ، ومِنهم الشَّهيدُ
(السّيِّدُ ناصر عبد الرزاق البطَّاط) مِن مُواليد عام(1388هـ- 1968م)، شِمال البصرة، قضاء المْدَيْنَة، نَاحيةِ الهُوير، قَريةِ الخيوط.
للشهيد ناصر زوجتان وعشرةُ أولادٍ، دَرَسَ في قريته إلى مرحلة المُتوسّطةِ، وهو مِن أُسرةٍ مَعروفةٍ بالفضلِ والجِهادِ، فوالدُه السَّيدُ عبدُالرزاقِ مِن خِيرةِ رِجالاتِ الانتفاضةِ الشَّعبانيّةِ، وقد نالَ الشَّهادةَ بموقفٍ يَعجزُ القلمُ عن وصفِهِ، تَركَ في نفسِ الشهيدِ مِثالاً لمُقارعةِ البَعثيّينَ الصدَّاميّينَ، وعِندَ طلبهِ للخدمةِ في جَيشِ النِّظامِ المقبورِ رَفضَ الانصياعَ لهُم وانضَمَّ إلى صفوفِ المُجاهدينَ في الأهوارِ، وشَاركَ في كثيرٍ مِن العمليّاتِ البُطوليّةِ، واستمرَّ بجهادهِ إلى سُقوطِ النِّظامِ، فشَاركَ في حِفظ البلدِ بعدَ فراغِ السُّلطةِ.
اتَّسمَ السيَّدُ ناصرُ بِقوَّةِ الشَخصيَّةِ والوجاهةِ والقَبُول لدى النَّاسِ، يسعى في قضاءِ حوائجِهِم وحَلِّ نزاعاتِهم، وتزويجِ عُزَّابِهم، وكانتْ دارُه مَألفاً للمؤمنينَ يلجئُ إليها كُلُّ مَن كانتْ له حاجةٌ أو مُشكلةٌ، فيجدُ رحابةَ الصّدرِ وقضاءَ الحاجة، ولمَّا كانتْ دارُه قريبةً من طَريقِ الزَّائرينَ، أسَّس موكباً لخدمتِهم، سمّاه (مَوكبُ واقعةِ الطفِّ)، يُقدِّمُ فيه كُلَّ الخدماتِ، وبَعدَ انقطاعِ الزَّائرينَ ينقلُ موكبَه معَ أبنائهِ وإخوتِه إلى كربلاءِ في طريقِ قنطرةِ السّلامِ، ويَستمرُّ بالخِدمةِ إلى تمامِ زِيارةِ الأربعين، وقد أوصى أولادَه بالتمسّكِ بِخطِّ الولاءِ لأهلِ البيتِ(عليهم السلام)- ، وخِدمةِ زُوّارِ الإمامِ الحُسينِ(علية السلام)- ، لنيلِ شَفاعتِه يومَ الجزاءِ الأوفى.
وعِند هُجومِ الدواعشِ على أرضِ الأنبياءِ والمُقدَّساتِ بادرَ إلى دعوةِ المُؤمنينَ للدِفاعِ عَن حُرماتِ الدّينِ، وهُو يُردِّدُ(إنْ ضاعَ شرفُنا فلا يُعادُ)، وكانت له هيبةٌ ووقارٌ جعلَت القُلوبَ تَهوي إليهِ، فاجتمعَ عِندَه أكثرُ من مِئةٍ وخمسينَ مُقاتلاً درَّبهم على حَملِ أنواعِ السّلاحِ، وكان يشَجّعهم بِقولِهِ: (إنّي أرى نُوراً مِن هذا المكان إلى قُبّة سَيِّدِ الشُّهداءِ ).
شَاركَ الشَّهيدُ ببسالةٍ في عِدَّةِ مَعاركَ في تِكريت، جَرَّعَ فيها التكفيريّينَ غُصصَ الهزيمةِ والذُلِّ، وسطَّر أروعَ صُورِ الإيثارِ والتَمسّكِ بالمبادئِ والعقيدةِ، فلَه موقفٌ ذَكرَه بعضُهم يُشبه موقفَ ذلك الصَّحابيُّ الذي ذكرَ الصّلاةَ في سَاحةِ الطفِّ فدعا له سيِّدُ الشُّهداءِ أن يكونَ من المُصلّينَ الذّاكرينَ ، فقد كان شِبلُ الهواشمِ السيّد ناصر من الذاكرينَ المُذكِّرينَ بالصّلاةِ مع شِدَّةِ القصفِ واحتدامِ المعركةِ، واستمرَّ الشَّهيدُ أباً وقائداً ومُذكِّراً حتَّى سَطعَ نجمُه في سماءِ الشَّهادةِ بتأريخِ (10/12/2014م) في مَنطقةِ الجلّايةِ، إذْ استهدفه قنَّاصٌ غادرٌ، وقد أوصى قبلَ شهادتِه بِلحظاتٍ بالصّبرِ والثباتِ والاستبسالِ في الدِّفاعِ عن المُقدَّساتِ، وكأنَّه يَعلمُ بساعةِ شَهادتِهِ.
بُوركتْ لك صَفقتُك الرَّابحةُ يا نَسلَ الطيّبينَ، وحشركَ اللهُ معَ المُقرَّبينَ في أعلى عِلّيّينَ وجعلك وأباك نُجوماً لامعةً في طريقِ السَّالكينَ، ونُوراً يَستضيءُ به المُجاهدونَ، وجَعلَ هذهِ السُّطورَ صِلةً مَوصولةً لنا معكَ يوم نلقاكَ بجوارِ ربِّ العالمينَ.
شُبَّر السُّويج