الشهيد سعيد منصور مِزبان الحمدانيّ
2023/07/03
الدّنيا ساحةُ التكليف والعمل، والآخرةُ هي دارُ الجزاء، وفيها المقرّ، فمَن مَهَّد لدار البَقاء والخلود سعَد بلقاء ربِّه، ووُفِّي أجرُه، وسيق إلى نعيمٍ لا يَفنى، جزاءً لإخلاصه في العبوديّة لبارئه، فكانت منزلتُه رفيعةً ساميةً عند ربِّه مع المخلصينَ في أعلى علِّيّين (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) .
ومَن أركسَ نفسَه في الموبقات، وتعلّق بالدّنيا وملذّاتها، كان مصيرُه الخلود في العذابِ المهين فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ وبهذا اللِّحاظ ينقسم أبناء آدم على قسمين: سعيد الدنيا والآخرة، كالشّهداء والمجاهدينَ الأحرار، الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، وثبتُوا على هذا المبدأ، ودافعُوا عن أصالةِ الدِّين، في قِبالَ القِسم الثاني، وهم شرارُ خلقِ الله أشقياء الدّنيا والآخرة، الذين عاثوا في الأرض فساداً، وحرّفوا الكَلِم عن مواضِعِهِ، وشوّهوا الدّين، وقتلُوا العِباد، وخرّبُوا البلاد، ودنّسوا أرض المقدّسات بهجمةٍ وحشيّةٍ من قبل أبرز مصاديقهم النّواصب، شِرار الخَلق وأعداء الإنسانيّة، فانبرى حماةُ الشريعة والدّين أمناء الله على البلاد والعباد ليسجّل التاريخُ موقفَهم بأحرفٍ من ذهب، كما سجّل مواقف أسلافهم الأبرار في ثورة العشرينَ وإبّان حكم الشيوعيّينَ والبعثيّينَ، فجاءت فتوى العلماء الأعلام قاصمةً لظهر التكفيريّينَ والبعثيّينَ، فاستجابَ الأحرار ملبّيينَ نداءَ العقيدة بالجِهاد لحِفظ الأرضِ والعِرض مِن دَنَس الوهابيّينَ والإرهابيّينَ.
ومِن أولئك السّعداء الذين هبُّوا لنصرة الدّين سعيد الدّارين الشهيد (سعيد منصور الحمدانيّ) المولود عام (1396هـ - 1976م) في البصرة منطقة الكرمة، وهو من عائلة ملؤها الإيمان، يشهد لها القاصي والدّاني بجهاد الطُّغاة البعثيّينَ، إذْ كان لها الدورُ الفعّالُ في قدح فتيل الانتفاضة الشعبانيّة المباركة، وبعد وأد الثورة وقتل الأحرار من رجالاتها الشّجعان اضطرّت عائلة الشّهيد للهجرة إلى جمهوريّة إيران الإسلاميّة في مخيّم شوشتر للمهاجرينَ العراقيّينَ.
عاش سعيدٌ في كنف أخوته الأبطال، وانخرطَ معهم في العمل الجهاديّ، وقد تلقّى العناية وكسب الخبرة العسكريّة على أيدي ليوث الأهوار، لا يفتر عزمُه، ولا تأخذُه في اللهِ لومةُ لائمٍ، ولشدّة بسالته وقوّة عقيدته أُنتخب ليكونَ في قوّة المهمّات الخاصّة، وفضلاً عن تخصُّصِه بالمهام الصّعبة كان يتلقّى دروساً في العقيدة والفِقه والأخلاق على أيدي الأعلام من المبلّغينَ وخيرة المربّينَ العقائديّينَ، فشبَّ على ولاء آل محمّدٍ(صلي عليىه واله وسلم)، وكان مع رفاقه لا يهجعونَ من اللَّيل إلّا قليلاً، لا يفوتهم حضور الأدعية المأثورة عن أهل البيت(عليهم السلام) كدعاءِ كميل والتوسّلِ بالنبيّ وآلِهِ (صلي عليىه واله وسلم) ، ودعاء النُّدبة لصاحب الأمر ولي النّعمة ))عجل الله فرجة الشريف)).
تزوَّج الشّهيد في أرض المَهجر، ورُزِقَ ثلاثة أطفال، ثمّ عاد إلى بلادِه شوقاً إليها بعد هجرته إلى بلاد الغرب، ولكنّه عانى في وطنه من الأقصاء والظّلم والتهميش، إذْ لم يكن ينتمي لأيِّ جهةٍ سياسيّةٍ، عاش صابراً في بيت الصّفيح (التجاوز) مع أسرته، يقتات هو وعياله من كدِّ يمينه وعرق جبينه، راضياً بالكفاف من لقمة العيش، إلى حين صدور نداء الجهاد، فدبّت في روحه نخوةُ الأحرار أصحاب الشّهامة والمروءة، فبادر للالتحاق في صفوف الحشد الشعبيّ المبارك، ودخل مع رفاقه- ومنهم أسد آمرلي الشهيد أبو شرار- إلى معسكر (أشرف) الذي كان يسيطر عليه منافقو منظمة خلق الإجراميّة، وأكملُوا تجهيز لوائهم وسارعوا إلى ساحات الوغى.
اشترك الشّهيد في عدّة معارك، منها تحرير ديالى، وآمرلي، والمقداديّة، والسّعديّة، والضّلوعيّة، أثبت فيها شجاعةً لا تُوصف، وسطّر فيها صوراً رائعة للبسالة والإقدام، فكانت صولاته كالهزبر على فريسته، كما وصفه أخوته في الجهاد حتى فاضت روحه الطاهرة، والتحق بركب الشهداء بتاريخ( 23/1/2015م).
فسلامٌ عليه في الخالدينَ، وجعله اللهُ شفيعاً لنا يومَ الدِّين.
شبّر السُّويج