الشّهيدُ أحمد عبد الكريم بشير
2023/07/06
إنّ تقوى اللهِ تعالى ومراقبته خيرُ الزاد للطريق، ففيها يسعدُ الإنسان ويطيبُ عيشُه (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) .
وربّنا سبحانه وتعالى قد دعانا إلى البذلِ في سبيله، قال: (عز وجل)(وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً).
فتسابقَ المؤمنونَ في هذا المضمار المبارك، فهذا يبذلُ الأموال الطائلة، وذاك يتصدّق بنصف مالِه، أو ثلثه، وآخرُ يعِدُ بالكثير من الإعانات والهِبَات، ورابعٌ قد أوقفَ نفسَه وفرّغها لأعمال البرِّ والخير، يبذلُ وقتَه في نفع المسلمينَ، إغاثةً ودعوةً وتعليماً، وكلّهم على خير -إن شاء الله-، لكن هناك صنفٌ من النّاس هانت عليهم دنياهم، ولم تغرّهم مُتَعُ الحياة وزخرفها، ولم يقعد بهم الخوف على الذُّرِّيَّة والعِيال بأنْ يسلكُوا طريقاً جبن عنه الكثير، فاختاروا طريقاً قلَّ سالكوه، وركبُوا بحراً تقاصرت الهِمَم عن ركوبِهِ، علمُوا أنَّ العُمرَ محدودٌ، والطريقَ طويلٌ، فاختاروا أرفع المقامات، وتسنّموا ذرى الإسلام، علمُوا أنَّ أغلى ما يملكه الإنسانُ روحُه التي بين جنبيه، فقدّموها قرباناً إلى ربِّهم، فهَانَ عندهم المالُ والعيالُ والمتاعُ دون دمهم الذي أراقوه في سبيل الله، فترجمُوا قولَ الله تعالى:
(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .
فعقدُوا البيعَ مع الله، فكان المثمَنُ أرواحَهم ودماءَهم، والثّمنُ الموعودُ هو الجنّة، ومَن أوفى بعهدِه مِن الله؟ فما أعظمَه مِن بيعٍ، وما أعظمَه مِن ربح، للهِ درّهم، ما أشجعَهم، غادروا أوطانهم، وهجروا نساءهم، وفارقوا أولادهم وخلّانهم، يطلبون ما عند الله، تركوا لذيذَ الفراش ورغدَ العيش، وخاطروا بأنفسهم في سبيل الله، يطلبون مظانَّ الموت، لله درّهم ما أقوى قلوبهم، وما أرسخَ إيمانهم حين يعرِّضون أنفسهم للحتوف، ويُريقونَ دماءَهم تقرّباً إلى الله تعالى، طمعاً فيما عنده، فحينَ تعرّضت أرضُ المقدّسات، أرضُ الرافدين لاعتداءات الوهابيّة الأنجاس (داعش) الإرهابيّة، وجرائمهم، نهض مجموعةٌ من النّاس الطيّبينَ والخيّرينَ فلبُّوا نداء وطنهم ومرجعيّتهم الدينيّة للدّفاع عن المقدّسات والوطن، فكانَ منهم الشّهيد السّعيد (أحمد عبد الكريم بشير)، من مواليد 1974م، وهو من عائلة بسيطة تسكن البصرة القديمة – السّيمر، المعروفة بولاء أهل البيت(عليهم السلام)والتديّن والاستقامة، أكمل دراسته المتوسّطة، متزوِّ جٌ وله طفلان، هما عبّاس وزينب، كان يعيش حياةً بسيطةً اعتياديّةً، ويعمل (أسطة) بناء، وكان معروفاً بالإيثار، إذْ كان يساعدُ أصدقاءه، ويقدّم لهم المعونة عندما يمارسُ عمله الحرفيّ، أمّا عندما مارس عمله الجهاديّ فكان يستلم راتبه ويوزّعه على المقاتلين المحتاجين، وكان له ارتباط بالسّادة آل شبّر (سيّد عصام، وسيّد نور، وسيّد بهاء)، مواظباً على تلقّي المعلومات الدينيّة والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) من خلال مسجد آل شبّر، فضلاً عن ذلك كان(رحمه الله) يذهبُ مشياً على قدميه إلى كربلاء المقدّسة في أربعينيّة الإمام الحُسين (عليه السلام)، وكانت له خدمةٌ في المواكب الحسينيّة، جميعُ هذه الالتزامات دفعته إلى العمل الجهاديّ، وبعد صدور فتوى المرجعيّة العُليا في النجف الأشرف، لبّى النِّداء، والتحقَ بالتدريبِ، وأجادَ استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة كافّة، فعُيِّنَ مساعدَ آمرِ فوج، وكان شجاعاً، تراه في مقدّمة الجنود، وفي الخطوط الأماميّة في مداهمة العدوّ، جُرح في قدمه قبل الشهادة، وبعدما الْتََأَم جرحُه عاد إلى جبهة القتال ليواجه الأعداء، شارك في معارك عديدة، في ديالى، والضلوعيّة، وتلال حمرين، والمقداديّة، التي استُشهد فيها، وذلك بانفجارِ عبوة ناسفة عليه أدّت إلى إزهاق روحه الطاهرة بتاريخ( 23/1/2015م)، وبعد رحيله واستشهاده شيّعه أهله ومحبّوه من قريبٍ وبعيدٍ وفي منطقته السّيمر، وكان تشييعاً عظيماً ومهيباً، فانتقل إلى جوار ربِّه ليقلِّده أوسمة الصّالحينَ والشّهداء ومنازلهم إن شاءَ اللهُ، فسلامٌ عليه حيّاً ومجاهداً وشهيداً.
أحمد عبد العبّاس راضي