أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهيد نَاصر قاسم حسن الحسّانيّ
2023/07/08
أيُّ كاتبٍ عندما يُمسكُ قَلَمَهُ لِيصُوّرَ وصفاً لمنظرٍ طبيعيّ، أو حادثةٍ مؤثّرةٍ، تَستَرسلُ الجُمَلُ، وتَتَسَابَقُ الكلماتُ في مخيّلتِهِ لِيحصلَ على مَقَالةٍ رائعَةٍ، لكنَّهُ يَقفُ مبهوراً أمامَ عَظَمَةِ الشَّهِيدِ وَ كَرَمِهِ، وَتَتَلَجلجُ الكلماتُ، فَيُحْجِمُ القلمُ بِيَدِهِ، وتتحيّرُ أفكارُهُ في سَردِ سِيْرَةِ شهيدٍ أفنى رُوحَهُ الطاهرة لإحياءِ الآخرينَ، وهذه الحيرةُ قَدْ تَطُولُ إلى أنْ تتعثّرَ بَعْض الكلماتِ الخَجُولَةِ، وَتَصطَفّ الواحدةُ بَعْدَ الأخرى؛ لتعطي ثمرةَ جُهدٍ مُتَواضعٍ لِوصفِ عَظَمَةِ الشَّهادةِ وَصَاحِبِ تلك العَظَمَةِ.
ومن خِلالِ السّطُورِ ومَا تَحتَويهِ من السّيرةِ الذاتيَّةِ للشَّهِيدِ، وما دَفَعَهُ لِحفظِ قَدَاسَةِ الدّينِ والوطنِ، يَقِفُ ذو العقلِ والحصافةِ إجلالاً وإكباراً، وتنهَمِرُ دُمُوعُهُ بحرقَةٍ على مَوقفٍ مرَّ من حياةِ الشَّهِيدِ، فيَقُولُ في نَفسِهِ خَجِلاً: أينَ أنَا؟ ومَنْ أكونُ حتى أُؤرِّخَ لهذا الغيورِ الهمامِ؟، فيتمنّى –غبطةً- أنْ يَكونَ معه؛ ليكونَ مِن الفائزينَ، مُردّداً: يا لَيتَنَا كُنّا مَعَكُم فنفُوزَ فَوْزَاً عَظيْمَاً.
فالشّهادةُ منزلَةٌ عظيمَةٌ لا يَنالُها إلا ذو حَظٍّ عَظِيمٍ امتَحَنَ اللهُ قَلبَهُ للإيمانِ، فوجَدَهُ أهلاً لذلكَ، فوفَّقَهُ بِسَعِيْهِ إلى الفَوزِ بِرضوانِهِ، فَسعَدَ برُقيِّهِ فِي جنّاتِ الخلودِ حيّاً تَخْدمُهُ المَلائكةُ، وَزُوِّجَ مِن الحُورِ العِينِ، وفي (رضوانٍ من اللهِ أكبر).
وعندما تستقرئ حياةَ الشّهداءِ فإنّك ترى الاختلافَ والتَبَاينَ في شَخصيّاتِهم مِن شخصٍ لآخر، فمنهم مَنْ يَكونُ ذا سيرةٍ وتَجربةٍ فِي الحياةِ يعجَزُ القلمُ والفكرُ أنْ يُعطيها حقَّها من التعبيرِ، ومنْهم مَنْ لم يَفْقَه الحياةَ، ولا الأمورَ الشرعيّةَ؛ لِكونِهِ صَغِير السِّنِّ، ولم يَتَجَاوز في تَكلِيفهِ السّنةَ أو السّنتينِ، ومنْهم مَنْ قَوَّمَ مَنْهَجَاً، وَثبَّتَ عَقِيدَة، وَبَذَلَ كلَّ حَيَاتِهِ في خدمة الدين ومبادئه، التي منها خدمة خُدّامِ الإمام الحُسين(علية السلام) في زيارةِ الأربَعينَ، وبالرغم من هذا الاختلاف تَجدُ أنّ هناك هدفاً مشتركاً، وَهُوَ القربُ من اللهِ والفوزِ بِرضوانهِ الأكبرِ وجوارِ نبيّهِ الأكرمِ وأهلِ بيتهِ صلّى الله عليهم أجمعين في أعلى عليّينَ.
وعلى هذا الأساسِ الرصِينِ نَستَقرئ سِيرةَ أحدِ الشُّهداءِ السُّعداءِ، وَهُوَ
الشهِيدُ (ناصر قاسم حسن الحسّاني) المولود(1406هــ - 1986م) في قضاء أبي الخصيب قرية (أبو مغيرة).
تَمَيَّزَ الشَّهيدُ بطَلاقَةِ وجههِ وبشاشتِهِ، فكانَ مَحبُوبَاً لِمَنْ عَاشَرَهُ، وأنِيسَاً لِمَنْ سَايَرَهُ، مَرِحَاً، لا يَبخَلُ بِزَرعِ الابتسَامَةِ عَلى وجُوهِ مَنْ يلتقِي بِهم، فَهُوَ يَلقى النّاس بِوجهٍ طلقٍ، وَمِن مَبَادئهِ مُسَاعدَةُ المعوَزِينَ، فلا يَبْخَلُ حتى بنَفَقَتِهِ الخَاصّةِ في مُساعَدَةِ المحتاجينَ، وهذا مَا أعطى الشهِيدَ سِمَة المحبّةِ والاحترامِ عند الآخَرينَ.
تَرَكَ الشَّهيدُ دراسَتَهُ الأكادِيمِيّةِ على أثَرِ اعتقالِ والدِهِ مِن قِبَلِ البعثيّين؛ بِسَبَبِ رَفْضِهِ سياساتِ النظامِ، وانضمامِهِ للمعارَضَةِ آنذاك، وقد ماتَ والدُهُ مظلُوماً في زنزانَاتِ التعذِيبِ، فتَرَكَ الأبُ ناصراً وأخوتَهُ أيتامَاً صِغَاراً، فاتّجَه الشَّهيدُ إلى العَمَلِ لإعَالة أُسرَتِهِ، وكانَ يَتَمَتّعُ برُوحِ الغَيرةِ والشّجَاعَةِ والحسّ الدِّينيّ والوطنيّ.
وعندَمَا اقتربَ الخَطَرُ مِن وَطَنِنَا الغالِي، وَدُنِّسَتْ أرضُ العراق، واستُبِيحَت الأعراضُ، وهُدّمَتْ المساجدُ والآثارُ، أصدرَتْ المَرجعيّةُ نِدَاءها بالجهادِ، فَلَبّى المؤمنونَ ذلكَ النداء المقدّس، وتسَابقتْ الأروَاحُ قَبْلَ الأجساد لِطردِ الأشرارِ، فكانَ ناصر من السَّبّاقينَ في دَرْءِ الخَطرِ عنْ الأرضِ وَالمُقدّساتِ، فشاركَ في معاركِ سامراء وتكريت، أبدى خِلالَها شجاعةً وبطولةً تُنْبِئ عَن اندفاعٍ كبيرٍ للتضحيةِ في سبيل حفْظِ الدين ونيلِ السّعَادَةِ الأبديّة.
وقد كان للشّهيد تأثّرٌ بواقعة كربلاء وسَيِّدِ الشُّهداءِ(علية السلام) ، وقد برزَ هذا الأمر جليّاً فِي سيرتِهِ وسلُوكِهِ فِي خدْمَةِ زُوَّار أبي الأحرار(علية السلام) ، إذْ كانَ يذْهَبُ مشياً من البصرةِ إلى كربلاء؛ لِيَحظى بثوَابِ الماشين في زيارةِ الأربعينَ، التي تُعدّ من علاماتِ المؤمنينَ، وفي أثناءِ سَيرِهِ كان يسعَى لِنيلِ شَرَفِ إعَانَةِ الزائرين، ويَلهَجُ بذكرِ
«يا لَيتَنَا كُنَّا مَعَكُم فَنَفُوزَ فَوزَاً عَظِيمَاً»، وهَذا مَا لمسَتْهُ أسرَتُهُ منه فِي آخرِ لقَاءٍ له مَعَ زَوجَتِهِ وَوَالِدَتِهِ وَأخوَتِهِ، إذْ كَانَتْ عَلامَاتُ الشَّهادَةِ واضحَةً جَلِيَّةً، بَعْدَ أنّ عَبَّرَ بقولِهِ سأذْهَبُ في رحلَتِي هذهِ ولَدَيَّ إحساسٌ بأنّي سأستشهدُ؛ لِذَا وَدَّعَهُم وَدَاعَاً يطغى عليه طابعُ الفِرَاقِ الذي لا عودَةَ فيهِ، وأكثر ما لَفَتَ نَظَرَ زَوجَتِهِ أنَّهُ كانَ يُرَدّدُ هذهِ الكلماتِ أمامَ المرآة :(يَجب أنْ أرَتّبَ وجهِي ولِحِيتِي، لأكونَ بمنظَرٍ جَمِيلٍ فِي حالةِ الاستشهاد)، وفعلاً حَصَلَ على مُبتَغَاه وما كانَ يَأمَلهُ في آخر معركةٍ لهُ فِي تكريت، إذْ إنَّ رفَاقَهُ أرادوا أنْ يُطهِّروا بيتاً، فَقَال لَهُم الشَّهيد سَأكفِيكُم أمرهُ، ودَخَلَ البيتَ، وكَانَ قَد اختبأ فيه مجموعةٌ من الدواعش، فَقَتَلَ ستةً منهم، وفَاجَأهُ غَادِرٌ من تحت السّلمِ فضَرَبَهُ برصَاصَةٍ استقرّتْ في رَأسِهِ، فوَقَعَ شهيداً، بتاريخ( 3/4/2015م).
ولمّا وَصَلَ خَبَرُ استشهَادِهِ إلى ذَوِيهِ استقبلوهُ مُستبشرِينَ بنَيلِهِ المرتبَة العالية، على الرغمِ من حُزنِهِم على ِفِرَاقِ مُؤنِسِهِم، وأقِيمَ لَهُ تَشِييعٌ مَهِيبٌ، يَعْلُو أطرفَ جَنَازَتِهِ الوَردُ، وتَتَسَاقَطُ مِنها أنواعُ الحلوى.
فَرَحِمَ اللهُ شُهَداءنا، وَأعطَاهم أرفَعَ الدرجاتِ وأعلَى الغُرفَاتِ، وجعلَهُم شُفعاءَ لِذَوِيهم ومَنْ لاذَ بهم، ومَنَّ على أهْلِهم بالصبرِ والسُّلوانِ، اللّهمَّ انصرْ المؤمنينَ المجاهدينَ، واخذلْ الدواعشَ التكفيريّينَ، وأعداءَ أهلِ البيتِ(عليهم السلام) مِن الأوّلينَ والآخرينَ إلى قِيَام يومِ الدّين.