أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهيد نزار حسن سعد الدراجيّ
2023/07/11
كُلّنا يعلم أنَّ النّفس أغلى ما يملكُ الإنسانُ في هذه الحياة الدّنيا؛ لذلك نجده يحرص على سلامتها كُلَّ الحرص، ويبذلُ الجُهد للبقاء والتلذّذ بملذَّاتها والتمتُّع بمُتَعِها، لكن ثمَّةَ أشياء أعزّ من النفس، وهي المُقدّسات، (الدّين والعِرض والوطن)، وإذا ما تعرَّضتْ هذه المقدّسات إلى الخطر نجد صاحب العقيدة والمبدأ يُضحّي بنفسه وبكلِّ ما يملك في سبيل دفع ذلك الخطر، إذْ لا قِيمة للإنسان بعد زوالها، بل إنَّ مَن لا يُحافظ على هذه المبادئ والقيم يكون حاله حال الجَمادات التي لا شُعور لها، إذْ حتَّى الحيوانات والحشرات والطيور وغيرها من الكائنات الحيّة تُدافع عن أوكارها وأبناء جِنسها الذين تعيشُ معهم إذا ما داهمهم الخطرُ؛ لذلك فالجِهادُ والدّفاعُ عن النفس والدّين والوطن والعِرض أمرٌ فِطريٌّ قَبل أن يكونَ واجباً شرعيَّاً.
ولقد شرَّع الله سُبحانه وتعالى الجهاد، وأوجب على الإنسان المُسلم الدّفاع عن دينه، ووعد الشُّهداء بالجنَّة؛ لما بذلوه في الدفاع عن حُرمات الإسلام، وقد أشار القُرانُ الكريمُ إلى فضل الشُّهداءِ ومنازلهم وعِظم تِجارتهم مع الله ووفائهم بالعهدِ، إذْ قال سبُحانه وتعالى في كتابه العزيز: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)
ومن الذين وفَوا بِعهدهم مع اللهِ، هم هذه الثُلّة الطيّبةُ الطاهرةُ من الحشدِ الشعبيّ الذين هبُّوا للدّفاع عن الدّين والعِرض، وحَموا البلاد والعباد بعد أن تعرّض بلدُنا في هذا الوقت إلى هجمةٍ بربريّةٍ من خوارج هذا الزمان، وقد لبّى المؤمنونَ نِداءَ المَرجعيَّة في الذود عن حُرُمات العِراق وأراضيه.
ومِن أولئك الذين ربحتْ تِجارتُهم من هذا الحشدِ المُقدّس الشَّهيدُ السَّعيدُ (نزارُ حسن سعد الدراجيّ) الذي سارعَ في الذبِّ عن الحُرمات وأداء الواجب، بعد أن زَهد في الدُّنيا وما فيها وترك عملَه وأهله، وبادَر إلى تلبية نِداء المَرجعيَّة، وبذل بذلك نفسه، والتحق بركب الشُّهداء الذين نالوا السَّعادة الأبديَّة في الآخرة، وجِوار النبيّ الأعظم (صلي الله عليه وله وسلم)، وأهل بيته الكرام(عليهم السلام)، في أعلى عِلّيّين، والذكر الطيّب المحمود في الدُّنيا.
وُلد الشَّهيدُ السَّعيدُ عام (1395هــ - 1975م)، ونشأ في البصرة في منطقة المِشراق القديمة تحديداً، بدأ دراسته الابتدائيّة في مدرسة الأُخيضر، ولم يُكملها بسبب ظروفه الخاصّة، وعمل بعد ذلك في محلّ حلاقةٍ، وقد وسَّع الله عليه في رِزقه، فجعل نزار نِصفَ أمواله في خِدمة أبي عبد الله الحُسين(عليه السلام)، فجهَّز موكباً كاملاً لِخدمة زُوّار الإمام(عليه السلام) في كربلاء المُقدَّسة عِند أحد أقاربه، وهو موكبُ «برير بن خضير الهمداني رضوان الله عليه»، ومن حُبِّه خدمةَ الإمام الحُسين(عليه السلام) كان يُوصي إخوته وأهله بعدم ترك هذه الخِدمة بعد استشهاده، وكان يَذهبُ كُلَّ عامٍ إلى زيارة الأربعين مَشياً على الأقدام، ويُشارك في خدمة النَّاس ومُساعدتهم، وكان الشهيد قد تزوّج امرأةً مؤمنةً إلّا أنَّه لم يُرزق الذُريَّة حتّى شهادته.
ولمّا نمَى إلى سَمعه نِداءُ العقيدةِ والجِهاد جَاد بنفسه، وهذا ما يُنبئُ عن عُلوِّ هِمَّةِ هذا الغَيور، خصوصاً أنّه قد وطَّنَ النفس على الدِّفاع والجهاد قبل صدور الفتوى، وقدْ كان التحاقُ الشَّهيدِ نزار بالحشدِ الشَّعبيّ مِن أوّل سماعِه الفتوى التاريخيَّة لأُمناء الدّين والمذهب العُلماء الأعلام -أيَّدهم الله- إذْ كان يُؤدِّي حينها الزيارة الشَّعبانيَّة في أرض المُقدَّسات (كربلاء)، فسارع في الالتحاق مع إخوته المُجاهدين في حِماية بلدِه والذبِّ عنه، ولم يذهب إلى التدريب؛ لأنّه كان يمتلكُ خبرة عسكريَّة على حَمل السّلاح، وكان مُلمَّاً بأدقِّ تفاصيل هذه الأسلحة، فالتحق مُباشرةً بأرض الجِهاد، فخاض المعارك مسطِّراً في تأريخه المُشرِّف أروع البطولات والصّولات على أعداء الدّين.
ومِمّا ذُكر في أحوال الشَّهيد في جبهات القِتال صِلتُه الوثيقة ببارئه ومعبوده، إذْ إنَّه كان يقرأ القُرآن، ويُصلّي اللّيل، ويُشجِّع المُقاتلين ويحثُّهم على الصّمود والثبات، وكان باسلاً مِقداماً شُجاعاً، لا يجد الخوفُ طريقاً إلى قلبه، ولا تفترُ عزيمته، وكان دائماً في مُقدّمة المُجاهدين الذَّابين عن حُرمات هذا الدين الحنيف، ولقد رأينا بأمِّ أعيننا بُطولات هذا المغوار في (فيديو مُصوَّر) له في معركة اليوسفيّة، يظهر فيه الشَّهيدُ بملابس الاستراحة وقد استنجد به إخوته عند تعرّضهم لهجوم، فصال كالهِزَبر في ساحات الوغى، ولم يلتفت إلى ملبسه أو هيأته، وباشر الأعداءَ بنفسه، فشتّتَ جمعَهم، وأرجع كيدَهم إلى نُحورهم، فلله درُّه، ولطالما ابتهل الشّهيد نزار إلى الله تعالى كي يَرزقه الشَّهادة قبل أن يَنتهي أمر الدواعش، وقد استشفع بسيّدِ الشُّهداء الإمام الحُسين(عليه السلام) مُخاطباً إيّاه: يا أبا عبد الله نحنُ خُدّامُك ونرجو شَفاعتَك، فاشفع لنا عِند ربّك لنيل الشّهادة، وقد شارك الشّهيد نزار في تحرير اليُوسفيّة ومنطقة عَرب جاسم، التي استُشهِد فيها، فنال مُبتغاه، بعد أنْ استجابَ اللهُ دُعاءه فرزقه الشّهادة بتاريخ(15/10/2014م)، وهُو اليوم الذي تزامن مع تأريخ ميلاده (15/10/1975م)، وكان تقلُّدُه هذا الوسام العظيم، وارتقاؤه هذا المقام السّامي عندما كان في عمليّة استطلاعٍ مع سبعةٍ من زُملائه في سيَّارة، فانفجرتْ عليهم عُبوةٌ ناسفةٌ بشكلِ مسطرةٍ مُفخَّخة.
وهكذا تَرك الشّهيدُ صفحةً مُشرِّفةً في تأريخ السّعداء الذين نالوا الكرامة العظيمة.
وعندما حُمل جُثمانه الزاكي إلى أهله شيَّعه أصدقاؤه وأهلُ منطقته بالأهازيج، وزُفَّ مع ركبِ الشّهداء الذين خلّدهم التأريخ لموقفهم البطوليّ في الذبِّ عن هذا الدّين الحنيف، وفي مُقدّمتهم سيِّد الشُّهداء أبو الأحرار الإمام الحُسين، فسلامٌ عليه يوم وُلِد، ويوم استُشهِد، ويوم يُبعثُ مع الشّهداء شافعاً مُشفَّعاً، ورزقنا الله وإيَّاكم السّير على مِنهاج الحقِّ، وأن يكونَ مَوتنا قتلاً في سبيل الله تحت راية وليّ الله الأعظم أرواحنا لتُراب مَقدمه الفِداء، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
سلام يوسف معتوق