أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهيد ماهر ثويني عبد السّادة الشريفيّ
2023/07/15
شابٌّ يافع من مواليد عام (1993م)، غير متزوِّج، من سَكَنَة مدينة الزبير، أحد طلّاب الصفِّ السّادس العلميّ للعام الدراسيّ (2014-2015م)، بطلٌ من أبطال رياضة كمال الأجسام، اجتمعت فيه صفتان قلّما تجتمعان في فردٍ، وهما: جسمٌ مفتولُ العضلات، وقلبٌ رقيقٌ برقّة الورود، لا يحمل إلّا النقاء والحبّ والتسامح، شابٌّ امتلك الوسامة وملكته الابتسامة، سَمْحٌ مع الجميع، لا يعرف الحقد أو الضغينة، لكنّه لا يرضى بالذُّلِّ ويأبى الظلم، إرادته صُلْبة، ويده مفتوحة كالبحر، هادئ الطباع حسن الأخلاق، مطيعٌ لأبويه ومن يكبرُه من أخوته، اجتماعيٌّ بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنى، يحبُّه الجميع للطافة روحة، ولخصاله الطيّبة، يساعدُ الجميع بلا استثناء حتى وإنْ لم يطلبوا منه ذلك، فهو مِثلُ النهر في عطائه، يُعطي ولا ينتظرُ ردَّ الجميل، اجتمعت فيه العديد من الصّفات النبيلة التي كانت أساساً في تكوين روحه الجميلة، إنّه الشّهيد السّعيد الشاب (ماهر ثويني عبد السّادة الشريفيّ).
ولد الشّهيد ماهر ثويني في كنف عائلة موالية لأهل البيت (عليهم السلام)، فكان مع إخوته كثير الاهتمام بالمحافظة على زيارة الإمام الحُسين(عليه السلام)، وخدمة زوّاره.
خَدَمَ الشهيد مع ثُلةٍ مؤمنة من أبناء مدينة الزبير في (موكب الإمام الحسن) في محافظة كربلاء، أيّام زيارة الأربعين، إذْ كان ممّن يزور الإمام الحُسين(عليه السلام)، مشياً على الأقدام، وفي اللّحظة التي يصلُ فيها الموكب، يبدأ مباشرةً بخدمة الزائرين، وحينما يقترب موعد الزيارة فإنّه يُكمِل ما ابتدأ به مسيرته من زيارة الإمام الحُسين(عليهالسلام)، مشياً على الأقدام أيضاً.
أمّا في مدينة الزبير، فقد خدم الشّهيد في (موكب أحباب الرسول(صلى الله علية اله وسلم ) المشيَّد في الطريق المؤدّية إلى جامع وخُطوة الإمام عليّ(عليه السلام)، لخدمة زائري المسجد بمناسبة
استشهاد النبيّ(صلى الله علية اله وسلم ).
عند سماع البطل ماهر فتوى الجهاد الكفائي لسماحة آية الله العظمى الإمام السيّد علي السيستانيّ (دام ظلّهُ الوارف)، انطلق في اليوم الثاني مع أخيه الكبير خالد إلى مراكز التدريب، وقد تدرّبا معاً على العديد من أنواع الأسلحة، منها الخفيفة والمتوسّطة والثقيلة، وكيفيّة معالجة الألغام، ثمَّ التحقا بجبهاتِ القتال امتثالاً لنداء المرجعيّة العُليا، تملؤهما الحماسة والغَيْرة على بلدهما.
انضمّ الشّهيد إلى فصيل المداهمات الذي كان دائماً في الصّفوف الأماميّة في مواجهة الدّواعش الكفرة، فاختار أفضلَ موقعٍ كي يقاتلَ فيه؛ لأنَّه من صنّاع المجد، وهم لا يقبلون إلّا بالأفضل، وقد اشترك في العديد من المعارك وتحرير العديد من المدن، منها: النباعيّ، والإسحاقيّ، والمعتصم، وبنات الحسن، وسبايكر، والعُوجة، والحويش، ويروي أخوه أنَّ البطل ماهر ثويني قام بأعمالٍ بطوليّةٍ عديدةٍ، ومهمّاتٍ نوعيّةٍ خاصّةٍ، تطلّبت منه شجاعةً منقطعةَ النظير، فقد كان الشّهيد يشدُّ العبوة على ظهره ويزحف بها ليلاً من السّاعة الثانية عشرة ليلاً إلى السّاعة الثانية بعد منتصف اللّيل مسافة
(2 كيلو متراً) حتى يصل إلى الهدف الذي يُريد زراعة العُبوة فيه، محاولاً صدَّ هجوم السّيارات المصفّحة المفخّخة التي يقودها الانتحاريّون في منطقةٍ شبه محرّمة تقع ما بين جيوش الحشد الشعبيّ الأبطال وجرذان الدواعش الأنذال، وعند رجوعه يستغرق المدّة الزمنيّة نفسها (ساعتين)، مع العلم أنَّ الأرض تملؤها الأشواك والحيوانات المفترسة، والألغام التي وضعت من الدواعش مسبقاً، فيخرج في مهمّته بمفرده من السّاعة الثانية عشر ليلاً ويرجع السّاعة الرابعة فجراً.
أُصيب ماهر ثويني في إحدى المعارك التي شارك فيها، فأقعدته في بيته ما يقرُب من شهرٍ، وأثناء تلقّيه العلاج حاول أحد أقاربه – خوفاً منه عليه – أن يَثنيه عن قراره القاضي بالرجوع إلى ساحات القتال، فقال له:« شنو رأيك لو ترجع إلى مدرستك، ومِن تنجح إن شاء الله تدخل دورة ضبّاط، وترجع للقتال برتبة ضابط عسكري»، لكن لم تُؤتِ هذه المحاولة ثماراً تُذكر، فقدْ ردَّ عليه ماهر، قائلاً: «عمِّي إندعيلي أنال الشّهادة»، وكأنَّه فهِم فلسفة الحياة، وعلم بأنَّ الشّهادة أسرع الطرق لنيل المعالي والفوز بالجنّة، وأنّها الطريق المختصر الوحيد لتجاوز كلِّ العقبات، فقد روي عن أمير المؤمنين الإمامِ عليٍّ (عليه السلام ) أنّه قالَ محرِّضاً على القتال: « ... إنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لَا يَفُوتُه الْمُقِيمُ، ولَا يُعْجِزُه الْهَارِبُ، إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ، والَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِه، لأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ» .
ظلّت هذه الفكرة تجولُ في خاطره كثيراً، ويذكرها مرراً وتكراراً، وهنا يروي أبوه أنَّ البطل ماهر كان في أيّام حياته يكتب تحت إحدى صُوَرِهِ عبارة (الشّهيد ماهر ثويني) متمنِّياً ذلك، ويروي أحدُ أصدقائه أنَّ الشّهيد كان معتاداً زيارةَ الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام ) قبل أنْ يذهبَ إلى جبهات القتال، وقد توسّل إلى الله بحقّ الإمام موسى الكاظم(عليه السلام ) أن تكون هذه آخر مرّة يلتحق بها، وأنْ ينالَ الشّهادة في هذه المرّة، و سبحانَ الله فقد استُجيبت دعواته، فعن رسول الله (صلى الله عليه واله محمد):« مَن طلبَ الشّهادةَ صادقاً أعطيها ولَو لَم تُصِبْه» ، وعنه :« مَن سأل الشّهادة بصدقٍ بلّغه اللهُ منازلَ الشُّهداء وإن ماتَ على فراشه» .
وفي معركة مدينة الحويش، يتعرّض البطل مع مجموعةٍ صغيرةٍ من رفاقه إلى هجمات من قبل الدواعش، فثبتَ كعادته، ولكونه بطلاً فدائيّاً، لا يهاب الموت، عرّض نفسه لإطلاقات الدّواعش كي يتمكّن من إصابتهم، وقدْ حَمَل القاذفةَ هذه المرّة، وصعد على تلٍّ كي يصيبَ الدواعش المختبئين وراء تلَّةٍ أخرى أمامهم تقرب عنهم مسافة قريبة، وإذا به يتلقّى رصاصةً في رأسه المملوء غَيرةً وحميّةً، ويسقطُ شهيداً عزيزاً، بتأريخ
(1/ 4/2015م)، وبهذا تحقّقتْ كلُّ أحلامه وأمانيه، وسيُخلّد في الدّنيا والآخرة، ويستظلّ بظلّ عرش الله، كما روي عن نبيّنا محمّد(صلى الله عليه واله وسلم) «الشّهداء عند الله على منابرَ مِن ياقوت في ظلّ عرش الله يومَ لا ظلّ إلا ظلّه وعلى كثيبٍ من مِسكٍ، فيقول لهم اللهُ: ألَمْ أُوفِ لكم وأُصْدِقْكُم؟ فيقولون: بلى وربّنا» ، وقد نال تشييعاً مَهيباً بين ذويه ومحبّيه من أبناء مدينته.
صور من الخبر