الشّهيدُ سَجّاد جعفر عُبيد المطر
2023/08/26
العقلُ نعمةٌ من نِعَم اللهِ التي لا تُحصى على بني آدم، فقد كَرَّمهم وشَرَّفهم بهذهِ الجوهرةِ الثمينةِ، فهُو مَحلُّ الثوابِ والعِقابِ، إذْ إنَّ أوّلَ ما خَلق اللهُ العقلَ، فقالَ لَه: أقبِلْ فأقبلَ، ثُمَّ قالَ: أَدبِرْ فأدبَرَ، فقالَ الباري: بك أُثيبُ وبكَ أُعاقبُ، ثُمَّ أَمرَ الملائكَةَ أَنْ اسجُدوا لآدم تكريماً له، فسجدوا إلّا إبليس أبى وعصى أنْ يسجدَ لِمن فَضَّله وشرَّفه اللهُ بنعمةِ العقلِ، المخلوقِ مِن الطّين، فقال: إنّ مثلي لا يسجدُ لمن خُلق من طينٍ، فكانَ عاصياً ومن المُبعدينَ بقياسه، فطُردَ مِن صُفوفِ الملائكة وأُهبطَ مِن جَنّتهِ بعد أنْ أَمهلَهُ إلى يومِ يُبعثونَ لِحكمَةٍ منهُ تعالى، فتوعّدَ بغوايتهم أجمعينَ إلّا عبادَ اللهِ المُخلَصينَ، وفي أوّل اختبارٍ وغوايةٍ كانتْ لابنَي آدم (هابيل وقابيل)، سَقَطَ أحدُهُما في غِوايته بتركهِ عقلَه واتّباعِه هواه، فسوَّلتْ له نفسُهُ حسداً قَتلَ أخيهِ وترْكَ جُثّتِهِ في العَراءِ، واستمرَّ النزاعُ بينَ الخيرِ والشرِّ والحُسنِ والقُبحِ والحقِّ والباطلِ، فكانَ قانونُ الابتلاءِ والاختبارِ جارٍ في بَني البشرِ؛ لِيفوزَ مَنْ أطاعَ عن بَيِّنَةٍ ويَهلكَ مَنْ أُركسَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وفي زماننا هذا نَرى تَحالفَ كُلِّ قِوى الشرِّ مُتَّبعةً إبليس الرجيم، يقودهم إلى أسفل دركٍ مِن الجحيمِ، وفي قِبالهم رِجالٌ صدقوا في الوعدِ والعهدِ، وتَصدَّوا لحزبِ الشيطانِ، فسطَّروا أروعَ صُورِ التضحيةِ والفداءِ، ومِن بينهم الشَّهيدُ السَّعيدُ (سَجَّاد جعفر عُبيد المطر)، المولود في عام (1396هـ -1976م) في البصرة، قضاءِ شطِّ العربِ، منطقة الفيحاء.
وهُو مِن أُسرةٍ عُرفتْ بمُقارعةِ النظامِ السابق، إذْ كانتْ لها مُشاركةٌ فعَّالةٌ في انتفاضةِ شعبان، أدَّتْ بهم إلى الهجرةِ مِن مَوطنهم إلى أرض جمهوريّة إيران الإسلاميّة، وقد عانوا من الغُربةِ والحرمانِ، لكنَّهم لم ينسوا مبدأهم، فانخرطَ أبناؤهم في صُفوفِ مُجاهدي الأهوارِ، وكانتْ لهم صولاتٌ على البعثيّين وكرَّات، أُعتقلَ على إثرِها أكبرُ إخوته وأُعدمَ صبراً رحمةُ اللهِ عليهِ، ونَالَ الثاني شَرفَ الشهادة والكرامة على أيدي التكفيريّين بعبوةٍ ناسفةٍ أُستهدفَ فيها الشّهيدُ عزّالدّينِ سليم(رحمه الله).
وأمَّا شهيدُنا السّعيدُ فَلم تَثنِ عَزيمتَه شَهادةُ أخويه، بَلْ زَادته قُوّةً وإصراراً، فَكُلُّ فَردٍ مِن هذهِ الأُسرةِ كُتلةٌ مِن الصمودِ والعطاءِ والتضحيةِ، وكان سَجَّادٌ يَعملُ على إزالةِ كُلِّ ما هُو شائبٌ مَعيبٌ بإخلاصٍ واجتهادٍ، ولا يَقبلُ التهاونَ في الواجبِ، يأخذُ مَنهجه مِن سِيرةِ أبِيِّ الضَّيمِ، إذْ كانتْ لهُ صِلةٌ خاصّةٌ بسيِّد الشُّهداءِ، فقدْ كانتْ دارهم مُلاصقةً لبيتٍ مِن بُيوتِ اللهِ، فكانَ يَخدمُ فيها، ويُواظبُ على المُشاركةِ في كُلِّ المراسمِ من خلال إلقائه الردَّات الحُسينيَّة، وكان لا يغفل عن زيارة الإمام الحُسين المظلوم (رحمة الله).
انتقل إلى منطقةِ النعمانيَّةِ في واسط، وكان يَتحيَّنُ الفُرصَ للمُشاركةِ مع إخوانهِ المُجاهدينَ في رَدِّ الطغاةِ المُجرمينَ عن أرضِ المُقدَّسات، فحصلتْ لهُ تلك الفُرصةُ، وذلك الشرفُ المُقدّسُ، الذي كان يتمنَّاه لتزكيةِ النّفس والجسدِ طول حياته، فكُلِّف بواجبٍ في معارك شِمالِ سامراء في منطقة (مكيشيفة)، وكانتْ قد تقدّمتْ القُوّاتُ الظلاميّة وتوغَّلتْ وأحكمتْ سيطرتها على الموقف، فصدرتْ الأوامرُ بالانسحابِ مِن المنطقة، إلّا أنَّ النفسَ الزكيّة أبتْ تركَ المكانِ والانسحابَ وفَسحَ المَجالِ لِشرذمةِ التكفيريّينَ لتسيطرَ على شِبرٍ مِن أرضِ المُقدّسَاتِ، فبقيَ فِي مَحلِّ أداءِ الواجبِ، وتوسّط لدى بعضِ المراتبِ العُليا لإبقائه هُناك ليُقارعَ المُجرمينَ، وحَصلَ على ما يريده، واستمرَّ يُدافعُ حتَّى وصلَ إلى مُبتغاه، وارتقى بِحُبّهِ للقاءِ الله إلى جنَّاتِ الخُلدِ، إذْ انفجرَ عليه صِهريجٌ مُفخّخٌ بتأريخ(2015/2/11م) وقدَّمَ نفسَه الشريفةَ قُرباناً ونبراساً خالداً في طريقِ الأحرارِ.
فرحمةُ اللهِ عليهِ وعلى إخوتهِ الأبرارِ، وجعلهم شُفعاءَ لأهليهم ولنا يوم الدّين، ورزقنا اللهُ السيرَ على نَهجهم وسيرهم، وأن يجعلَ موتنا قتلاً في سبيل الله تحت راية وليِّ