أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهيد صباحُ عبدالرزّاق عبد الكريم
2023/08/27
الموتُ بابُ العبورِ مِن عالمِ المادّةِ والدّنيا إلى عالمِ التجرّدِ والآخرةِ، ولا يُستثنى أحدٌ مِن ورودِ هذا الباب، شاءَ أم أبى، فهو أمرٌ حتميٌّ، لكنّ الناسَ يختلفونَ في عُبورِ هذا الباب، فمنهم مَن يأتيه الموتُ على الرّغم من أنفِهِ، ومِنهم مَن يَسعى إلى الموتِ بنفسه، ومِن هؤلاء مَن يُميتُ نَفسه على ضَلالٍ فينتحرُ، أو يُقاتلُ تحت رايةِ إمامٍ ضالٍّ مُضلٍّ، فيُزهقَ الأرواحَ وتَزهقُ رُوحُه وهُو مُتقلّدٌ بَيعة فِرعونِه الذي يقودُه إلى أسفلِ دَركٍ مِن الجَحيمِ (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) ، ومِنهم مَن يَموتُ في رِضا رَبِّه تَحت راية إمامِ حقٍّ، وقد يختارُ اللهُ له لِقاءَه، كما اختارَ لأئمّة الهُدى(عليهم السلام).
فسيِّدُ الشُّهداءِ(عليه السلام) يُوثِّقُ خُروجَه لطلبِ الإصلاحِ ولِقاءِ رَبِّه سيّداً لشهداء أمّة محمّد(عليه الصلات والسلام)، التي هي أفضلُ الأممِ، إذْ قالَ: (خُطَّ الموتُ على ولدِ آدمَ مَخطَّ القِلادةِ على جِيدِ الفَتاةِ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخِيرَ لي مَصرعٌ أنا لاقيه، كأنِّي بأوصالي تُقطّعُها عُسلانُ الفلوات بين النواويسِ وكربلاء) .
ويختلف كذلك نَزعُ الرُّوحِ مِن الجسدِ مِن شخصٍ لآخر، فالمؤمنُ يَسعدُ بِلقاءِ رَبِّهِ ويكون الموتُ راحةً له وفكّاً مِن أسره، أمَّا الكافرُ فيكونُ الموتُ عليه عسيراً كالقرضِ بالمقاريضِ، أو كإخراجٍ له من جنَّتهِ إلى جَحيمهِ وسِجنهِ، فالدُّنيا سِجنُ المُؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ، والآخرةُ نَعيمُ المُؤمنِ وجَزاؤه، وعذابُ الكافر وعقابُه، والموتُ بابُ الدخول، هذا لخلوده بجوار ربّه وأوليائه في نَعيمٍ مُقيمٍ عِند مَليكٍ مُقتدرٍ، وهذا إلى أسفلِ دَركٍ مِن الجَحيمِ ليَلقى جزاءه، وقد ورد في الحديثِ عن صفةِ الموتِ أنّه: (..للمؤمنِ كنزع ثِيابٍ وسخةٍ قَمِلةٍ، وفكّ قيودٍ وأغلالٍ ثَقيلةٍ، والاستبدالِ بأفخرِ الثِّياب وأطيبِها رَوائح، وأوطَئِ المراكبِ وآنسِ المَنازلِ، وللكافرِ كخلعِ ثِيابٍ فاخرةٍ، والنّقل عَن مَنازلَ أنيسةٍ، والاستبدالِ بأوسخِ الثِّيابِ وأخشنِها ، وأوحشِ المنازل وأعظمِ العذابِ ) .
ومن الذين اشتاقُوا إلى لقاء مَعشوقهم واشتاقتْ الجنّةُ للقائهم أبطالُ الحشدِ الشعبيِّ الذين بَرزوا لمُجابهةِ أعداءِ الدِّين والإنسانيّةِ، فاختار الباري جلَّ شأنُه ثُلّةً مِنهم لِيَلتحقوا بركبِ الشُّهداءِ، وكان مِن بَينهم الشَّهيدُ السَّعيدُ (صباحُ عبدالرزّاق).
وُلِد الشّهيد صباح عام (1413هـ - 1993م) في محافظة البصرة قضاء أبي الخصيب، ودرس في مدرسة الأمل الابتدائيّة، وتزوّج وله بنتٌ واحدةٌ هي ثمرةُ زواجه من الدّنيا.
التحق الشّهيدُ بالحشدِ المُبارك عَصرَ يَوم الجُمعةِ التي صَدرتْ فيه الفتوى التاريخيّة مِن على مِنبرِ العَتبة الحُسينيَّة المُقدّسةِ، ولم يَستطع الشَّهيدُ الصبرَ، فأخذَ الإذن مِن والده، فأذِنَ له والدُه وفَداهُ للإمام الحُسين، فالتحقَ الشَّهيدُ هو وعمُّه - وهُو مِن المُجاهدين الأبطال الذين كانتْ لهم صَفحةٌ جِهاديَّةٌ مُشرِّفةٌ- بركب المجاهدين.
شارك صباح في أغلب المَعاركِ، مِنها العظيم الأولى والثانية، وسلمان بيك، وفكّ حِصار آمرلي، وتحرير السعديَّة والضُّلوعيَّة، وآخرُها معركةُ المقداديَّة التي كانتْ مِن أشرسِ المعاركِ، وقد أثبتْ الشّهيدُ فيها بَسالةً فائقةَ النظيرِ تحكي مدى غيرته على مقدّساته، ولعلّ هذه الخصال -أعني الشّجاعة والشّهامة والغيرة- هي التي وفَّقته لنيل هذا المَقام السَّامي، وقد أشار عمُّ الشَّهيدِ إلى تلك الصفاتِ التي كانتْ جُزءاً مِن شَخصيَّة صباحِ، والأكثرُ مِن هذا ولاؤه لأهل البيت(عليهم السلام )، فقد كان يَسِيرُ مَشياً مِن بيته في أبي الخصيب إلى كربلاء الحُسين(عليه السلام)، ولمدّة خمسة أعوامٍ، ليصل إلى خدمة الزَّائرينَ في موكب مُسلم بن عقيلٍ الخدميّ.
وقد اتّسم الشَّهيدُ بسعة الصدر والمروءة وصَفاء الروح، فكانت علاقتُه بوالديه وأخوته حميمةً تَفوقُ الرابطة النسبيَّة، وقد وصفه أخوه الشَّيخُ عبَّاس بأنَّه الأخ والصديق، إذْ كان مُرافقاً له في مَجالسه الحُسينيَّة، ويقوم على خِدمته ويُعينُه في تحرُّكه، لأنَّه يُعاني من عَوَقٍ يَجعله في حاجةٍ إلى الإعانة، وقد ذكر أنَّه رأى قبل خَمس سنين أنَّ صباحاً في الجنَّة، وقد تعجّب لهذا الأمر؛ لأنَّه لم يصل إلى الحدِّ الأدنى من التأهيل الدينيّ لذلك، وقد زال تعجّب الشَّيخ لمّا رأى مُبادرة الشَّهيد في المُسارعة إلى اللّحوقِ بالحشد الشعبيّ، وقد تغيَّر تَماماً خِلال هذه الأعوامِ الخمسة، ونال خِصالاً جَميلةً تُؤهّله للشَّهادة، ومصداقُها إصراره على والده أن يأذَن له بالذَّهاب مع عمِّه و أخيه الأكبر للدّفاع عن الدِّين والوطن، فقد كان أخوه حامد أحد المُجاهدين الذين نالوا شَرف الدِّفاع، وقد وُسم بِوسامٍ في رِجله أقعده لفترةٍ طويلةٍ.
وبعدَ إذنِ الوالدِ التحقَ الشَّهيدُ صباح بأخيه الأكبرِ حامد في معركة المقداديَّة، وقدْ وصفَ لنا حامد شجاعةَ أخيه المِغوار، إذْ رأى الشَّهيدَ وهو يُعينُ الجرحى ويَرجعُ بالعتادِ لصحبه المُحاصرينَ تحت نِيران قنَّاصةِ الأعداء، لا يتهيَّبُ ولا يكترثُ لذلك، وكان له الدّورُ الكبيرُ في إنقاذ مجموعتِهِ المُحاصرة، الذين استُشهِد قِسمٌ منهم وجُرح آخرونَ، فكان قدْ أخلاهم، ومِن بينهم الشَّهيدُ فادي والشَّهيدُ علي الأنصاريّ، وفي الأثناء تَعرَّض الشَّهيدُ لرصاصة غَدرٍ من قنَّاصٍ نُقل على إثرها إلى المُستشفى، وبقي أربعة أيَّام، أصيبَ بعدها بسكتة دَماغية، ثُمَّ نَالَ الوِسامَ العظيمِ بِتأريخ (23/1/2015م)، ولمَّا نُقل خبرُ شَهادتِه إلى والده استبشر خيراً، وطلب ممّن حضره من إخوته وأبناء عُمومته أن يُصلُّوا شُكراً للهِ، فصلَّى هُو ومَن مَعه شاكرين الله على هذا الشرفِ العظيم والنعمة الكبيرةِ، فأنزل اللهُ على قَلبه سَكينةً شعر بلذّتها، فطلب من المُعزّينَ أن لا يُعزُّوه بل يُهنِّئوه بِبلوغ الفتحِ، حيثُ يرجو من الله أن يأتي يوم الفزعِ الأكبرِ لا خوفٌ عليه، ولا يصيبه الحُزن؛ لأنَّه يأتي مرفوعَ الرأس بولده الشّهيد.
واستُقبل الشَّهيدُ بزفَّةٍ لم يُشهَد لها نَظير، خَطبَ فيها والدُهُ بالجموع المُشيِّعة، قائلاً:
(إنَّ ولدي نَال الكرامة في طريق الإمام الحُسين(علية السلام) وهو فِداءٌ للدّين، أللّهُمَّ تَقبّله قرباناً، واجعله لنا فُرُطاً في الجنَّة، وأنلنا شَفاعته يَوم الدّين).

شُبّر السُّويج