الشهيدين صاحب سالم جنديل - و سعد داود سالم
2023/08/29
الدُّنيا مزرعةُ الآخِرة، فهي دارُ العمل، فمَن زرع الخيرَ فيها حَصَدَ ثمارَه عاجلاً و آجلاً، ومَن بَغى الشرَّ فيها جنى على نفسِه وكتب مصيرَه بمَا جَنَتْ يدُه، وعلى هذا تكونُ الدّنيا عند النظر إليها مجرّدةً عن تعلّقنا بها ذاتَ وجهين، وجه ممدوح وآخر مذموم، فوجهُ الذمِّ من أجل أنّها منزلَقٌ لمَن تعلّق بها؛ لأنّه سيفقِدُها ويرحلُ عنها، ويخسرُ آخرته؛ لأنّه لم يعمل لها، بل عمل لما هو زائل فخُذِلْ، ووجهُ المدحِ، من أجلِ أنّها ساحةُ الجِدِّ و الاجتهاد، فلولا العمل فيها لما حصل على نعيمِ الآخرة، فهي دار الممرّ لذلك المقرّ الموصوف بأنّه مقامُ السّعادةِ والخُلود.
وصاحبُ العقل هو الذي يستثمرُ الفُرصةَ العظيمةَ التي تمرُّ مرَّ السّحاب، ويشكرُ الله على هذه النِّعمة التي أنعمها عليه ومنحها إيّاه، ويبادر إلى العمل كي يحصدَ الخَير والنَّعيم المُقيم ولا يغترَّ بالدُّنيا وما فيها من الزّخارف والمادّيّات التي هي سلاحُ إبليس، الذي يسيطر به على الإنسان، فالذي يعرف قيمتَه ويُدرك عداوةَ إبليس له يرفض غرور الدّنيا ونعيمها الزّائف (يَا أيُّها النّاسُ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُوْرُ) ، فرَبُّ العِبادِ جَلَّ جَلالُه خَلَقَ الدُّنيا وما فيها من أجل الإنسان العارف باللهِ والعارف بقيمةِ نفسه وهدفه وسبب خلقته
لوكانَ يُهدَى إلى الإنسان قيمتُه
لكان يُهدى لك الدّنيا وما فيها
فالمغرورُ في الدّنيا مسكينٌ؛ لأنّه مغبونٌ باع آخرتَه بدنياه، والأكثر غبناً مَن باع آخرته بدُنيا غيره، والسّعيد مَن نال رضا ربِّه بالعمل، ليدخُلَ جنّةَ رضوانِه بفضلِه وكرمِه، التي عندها لا يتمنّى الخروج منها إلا صنفٌ من النّاس نصَّ رسول الله (صلى الله علية وسلم) عليهم وهم الشُّهداء، «إذْ قال (صلى الله علية وسلم): ما مِن أحدٍ يدخُلُ الجنّةَ يُحبُّ أنْ يرجِعَ إلى الدُّنيا و لهُ ما على الأرض مِن شيءٍ الّا الشَّهيد، فإنّه يتمنّى أنْ يرجعَ إلى الدُّنيا فيُقتَل عشر مرّاتٍ لما يرى مِن الکرامةِ» .
ونحن نرى اليوم قوافل الشّهداء تسيرُ نحو رضوان الله الأكبر، تاركين وراءهم كلَّ زخارف الحياة الفانية، مسارعين إلى ساحات الوغى التي يرغبونَ بالعودة إليها بعد شهادتهم لنيل الكرامة الكبرى باستشهادهم، كما أخبرَ الصّادقُ الأمينُ(صلى الله علية وسلم)، ولاشكَّ أنَّ ما قاله واقعٌ لا محالة، على حين تكالَب عبيدُ الدّنيا على التعلّق بها وكذاك هو حالُهم في الآخرة كما أخبر رسول الله(صلى الله علية وسلم)، فالشَّهيد عندما يسقط يحصل على عدّة خصال بيّنها رسولُ الإنسانيّة(صلى الله علية وسلم) بقوله:« يُعطى الشّهيدُ ستَّ خصالٍ عند أوّلِ قطرةٍ مِن دمِه: يُکفَّر عنه کلُّ خطيئة، ويُرى مقعدَه من الجنّة، و يُزوَّج من حورِ العِين، و يُؤمّنُ مِن الفَزَع الأكبر و مِن عذابِ القَبْرِ، و يُحلّى حُلّةَ الإيمان» .
ومِن هؤلاء السّعداء شهيدان مِن بيتٍ واحدٍ، أحدهما الشّهيد السّعيد (صاحب سالم جنديل العباديّ) المولود عام(1387هـ -1967م)، في البصرة، قضاء أبي الخصيب، قرية العُوجة، وهو كاسبٌ ومتزوّجٌ وله سبعةُ أولاد.
عاش الشّهيد مضطهَداً في زمن النظام المقبور، وعانى كثيراً من مطاردة البعثيّين، وقضى معظم عمره محروماً من حقِّ العيش الكريم، ومع ذلك عندما أقبلت الدّنيا عليه - بعد سقوط الصّنم - أوقف أرضاً لبناء بيتٍ للهِ شيّده بمساعدة أحد التجّار، وسمّاه مسجد «النبأ العظيم» يُقيم فيه الصّلاة والعَزاء على سيّد الشّهداء وسائر مراسم أهل البيت(عليهم السلام)، ويُنفق عليه من كدِّه وسعيه، وقد أوصى أكبرَ وُلِده «سامي» أن يتعهّد بيت الله ويُنفقَ عليه مِن تقاعده، وهبّ مسارعاً إلى الجهاد عندما سمع نداء الجهاد، مصطحباً معه ابن أخيه الشّهيد السّعيد (سعد داود سالم العباديّ)، وهو من مواليد
(1412هـ-1992م)، البصرة -قضاء أبي الخصيب، العوجة.
و(الشّهيد سعد) كان يعملُ حارساً ليليّاً في شركةٍ، ويملكُ سيّارةً نذرها لخدمة الضّعفاء، مع كونِهِ متكفِّلاً بعائلة والده الذي لا يستطيع العمل بسبب مرضٍ ألَمَّ به، و حين رأى عمَّه عازماً على الجهاد طلب الإذن من والده للجّهاد فأذِن له، فذهب مع عمِّه الشّهيد، وشاركَا مع مجموعتهما في عدّة معارك في سامراء والدّور، كانت لهم فيها صولاتٌ جريئةٌ وحملاتٌ مشهودةٌ، حتى إنّ الدواعش ضاق بهم مكانهم من بطولات سعد وشجاعته فأخذوا يسبُّون الأئمّة الأطهار لِيَستفِزّوه وصحبه، فصار أكثر ضراوةً مِن ذي قبل ممّا اضطرّهم للهجوم عليه مباشرة حتى استشهد في إحدى الحملات، فأخذوا هاتفه واتّصلوا بأخيه، وقالوا: (قتلنا الرافضيّ) إيغالاً وتشفّياً بأهله فأجابهم أخوه: (خاب سعيكم نحنُ نفتخر بأنّنا روافض لأمثالكم يا كلاب ابن عبد الوهّاب وابن تيمية، ونتمنّى أن يشفعَ لنا الشّهيد يوم الدّين يوم تُقادون إلى جهنّم وبئسَ المصير).
استشهد سعد وعمّه صاحب في منطقة الدّور إثر تعرّضٍ شرِسٍ من العصاباتِ التكفيريّة بتاريخ (10/7/2014م)، فرحمة الله عليهما وأسكنهما فسيحَ جنّاتِهِ في أعلى علِّيّين مع محمّدٍ وآلِه الطاهرينَ، ورزقنا اللهُ جوارهما.
شبّر السُّويج