الشّهيدُ السّعيدُ علاء عبد علي عبدالله العُطبيّ
2023/09/06
عندما يُدركُ الإنسانُ وجودَه في الحياة، ويرى ما فيها مِن المصائبِ والمخاطرِ، يحدثُ عنده اضطرابٌ وقلقٌ، وهذا يكون تارةً بسبب جهله بالمستقبل، فهو يخاف من زوال القوّة والصِّحّة، ويخاف من الأعداء، وهكذا، وتارةً أخرى تُتعِبُه كثرة الذنوب والآثام، لكنّ الذي يؤمن بالله تعالى لا تعترضُهُ هذه الأمور؛ لأنّ الإيمان يولِّدُ في نفسه اطمئناناً وراحةً، ويمحُوا عنه آثارَ القلقِ والاضطراب، فاللهُ قد تكفّل برحمةِ عباده، وضمن لهم السّعادة، بشرط أن لا يغيبَ ذكرُه (عجل الله فرجة) عنهم في معظم أوقاتهم، وفي أغلب أحوالِهم، فإذا حصل الشّرط ظهرت النتيجة (أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوْبُ(، ومن أجل أنْ تحصلَ النتيجة المثمرة لابدَّ من أن يكونَ الذِّكرُ على الوجهِ المطلوب.
والذِّكرُ نوعان، ذكرُ اللِّسان وذكرُ القَلب، ولابدَّ من موافقة ذكر اللِّسان لما في القلب ومطابقته بالعمل، إذْ لا تكفي لقلقةُ اللِّسان لإحراز النتيجة، فالذي يلهج بذكر الله ينبغي أن يكونَ عملُه موافقاً لهذا الذكر على النحو الذي يرى فيه اللهَ تعالى حاضراً وناظراً له، وهذا التوجّه هو الباعث على الحركة والعمل والسّعي إلى الخير، وهو الرادعُ عن الذنوبِ والمعاصي، وهذا الذِّكر هو الذي تكونُ له الآثار والبركات، وقد بيّنَ الإمام أميرُ المؤمنين)علية السلام) في الرواية الواردة عنه ذلك، قال (علية السلام): «الذّكر ذكران، ذكرُ الله(عز وجل) عند المصيبة، وأفضلُ من ذلك ذكرُ اللهِ عند ما حرّم الله عليك، فيكون حاجزاً» ، وهذا الذكر هو الذي يُطَمِئِنُ الإنسانَ عن مستقبله في الدّنيا ومصيره في الآخرة، ويكون وسيلةَ نجاةٍ ووقايةً من المعاصي والذنوب، فيستقيم عملُهُ؛ ولهذا نجدُ أنَّ ثلّةً من المؤمنينَ قد تطابَقَ عملُهم على الوجه الأتمّ مع عبادتهم وطاعتهم، وسارعوا في تجسيد الذّكرِ الواقعيِّ في تلبية دعوة الجهاد، وتأهّبوا وأخذوا عدَّتهم، واستعدّوا لمواجهة مرتزقة الوهّابيّينَ والسّلفيّين وأذنابهم، ومَن والاهم، وقدّم لهم الدّعم، فقدّموا خيرة الشّباب المؤمن قرابين وأضاحي لإحياء الذِّكر والذاكرينَ، ومِن بين أولئك الخيّرينَ الشّهيد السّعيد (علاء عبد علي عبدالله العطبيّ)، مِن مواليد (1400 هـ-1980م)، البصرة ـ قضاء شطّ العرب ـ الفيحاء، متزوّجٌ ولديه ولدٌ وثلاثُ بنات، يعملُ كاسباً، وقد تطوّع للجهاد، ملبّياً نداء العقيدة والإيمان، ودخل أحد معسكرات التدريب في البصرة خلال شهر رمضان، على الرُّغم من شدّة حرارة الصّيف في المحافظة، وكان وقت التدريب بعد الإفطار، ويمتدُّ إلى السّاعة الثانية عشر ليلاً، واستمرّ هذا الأمر مدّة أسبوع، التحق بعدها بجرف النصر وشارك في تحريرها، وأبدى شجاعةً لا تُوصَف، وكان يلهجُ بذكرِ اللهِ، ولا يغفل عن تجسيد الذِّكر الحقيقيّ الذي اعتادَهُ.
كان دائم الزيارة للإمام الحُسين (علية السلام) مشياً، وتُعرِبُ نيّتُه عن سعة أُفقِه، فكان ينوي الزيارة عن والدَيه، وكان ذا سلوكٍ قويمٍ متّزنٍ يفتح له أبوابَ الخير والمحبّة في قلوب المؤمنينَ، وكان لشهادته أثرٌ كبيرٌ في نفوس مَن عاشُوا معه، فوصفُوه بصاحب الخُلُق الرّفيع السَّمْح، فَلَم يكن يألو جُهداً في خدمة إخوانه المؤمنينَ خصوصاً الضّعفاء منهم، فهو دائم المبادرة في كسب القُرب من الله بقضاء حوائج المؤمنينَ، وتمثّلت هذه الخَصلة جليّاً في ساحات الوغى، فقد نُقِل عن الشّهيد أنّه أعطى نفسَه ودمَه الزاكي تقرّباً لساحة القدس، فكان يرى الله حاضراً وناظراً لعملِهِ وسلوكِهِ، فلمّا تعرّضوا إلى هجومٍ شرِسٍ مِن الدواعش الأرجاس في جرف الصّخر، وحوصرت مجموعتُه،
وجُرح أحدُ المجاهدينَ، كان في مرمى نيران الأعداء، فجاءهم أمرٌ بالانسحاب، فأبى علاء الانسحاب من دون إخلاءِ الجريح، فرجع إليه وحمله على ظهره وأخلاه، وفي أثناء مسيره صار هدفاً متحرِّكاً أمامَ الأعداء، فترصّدَه قنّاصٌ مِن خلفه وضربه في ظهرِهِ، وأخرى في رأسه بعد سقوطه، فنالَ القُربَ الواقعيَّ الذي كان يطمح إليه، وكان قد أوصى بعياله وأطفاله في آخر اتصالٍ له مع عمِّه، وأخبره أنّه سيعودُ شهيداً، وقد تحقّق ما تمنّاه الشّهيدُ وسعى إليه، فسعَدَ بلقاءِ ربِّه بتأريخ (17/7 /2014م).
فسلامٌ عليه في الذَّاكرينَ، وكلّما صدح بذكر الله ذاكرٌ في القائمينَ والراكعينَ السّاجدينَ المسبِّحينَ بحمدِ اللهِ، وأنالنا اللهُ لساناً بذكرِهِ لَهِجاً، وقلباً بحبِّه متيّماً، والحمدُ له أوّلاً وآخراً.
شبّر السُّويج