الشّهيدُ السّعيدُ صادق حسن بدير التميميّ
2023/09/08
لم تكن الشّهادةُ من وجهةِ نظر أتباع أهل البيت(عليهم السلام ) - تبعاً لأئمّتهم(عليهم السلام) مجرّدَ درجةٍ رفيعةٍ ينالها من يُقتل في سبيل الله، بل هي باعتقادهم هدفٌ راقٍ، ومسؤوليّةٌ كبرى، تقع على عاتقهم، يسلُك من خلالها الشّهيد أقصرَ الطّرق إلى معراج الإنسانيّة، وهي منهجٌ تعلّموه من أئمّتهم، فيما لو تعرّض الدّين إلى خطرٍ يهدِّد كيانَه من قِوَى الظلام والشرّ، بوصفِ أنَّ بقاء الدّين أهمُّ من بقاء المتديِّنِ نفسِه، وأنَّ التضحية بالنفس من أجل الدّين هي أسمى معاني التديّن، فاستمدّوا منهم مشروعيّة الدّفاع عن المقدّسات والمعتقدات، والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، وقد اتّخذَ أتباعُ أهل البيت (عليهم السلام ) السائرون على درب الشّهادة من الأئمّة(عليهم السلام ) المثل الأعلى، ولا سيّما الإمام الحُسين(عليه السلام ) ، الذي هيَّأَ طريقها، وخطّ منهجَها لكلِّ مَن أراد أنْ يسلك ذلكَ الطّريق مِن بعدِه، وذلك حينما رأى تكالب بني أميّة على الدّين الحنيف وانتهاشهم جسده بأنيابهم الشيطانيّة، فانتفضَ نُصرةً للدّينِ، وإبقاءً عليه.
وما بين اليوم والأمس، تُولد -من جديد- الظروف والأهداف نفسها، فتظهر قوى الشَّرِّ والكفر والظلام، المتمثّلة بالدّواعش، حاملةً الأحقادَ والأهدافَ القديمةَ نفسها، فانبثق قبالها الثلّة المؤمنة مِن أتباع أهل البيت(عليهم السلام ) لردعِ شرِّهم، وإفشالِ مخطّطهم اللّئيم، تتصدّرهم المرجعيّةُ العُليا المتمثِّلة بسماحة آية الله العظمى السيّد السيستانيّ (أدام اللهُ ظلّه)، بإصدارها فتوى الجهاد الكفائيّ، حفاظاً على بيضة الإسلام والمقدّسات.
وما أنْ سمع المؤمنونَ الفتوى الكريمة حتى هبّوا لتلبية ذاك النداء المقدّس، وكان من بين المؤمنينَ أصحابِ الغَيرة والحَميّة على الدّين والمقدّسات المُلبّينَ نداءَ المرجعيّةِ، وممّن نالوا وسام الشّهادة بفخرٍ واعتزاز، الشَّهيد السَّعيد الشَّاب (صادق حسن بدير)، المولود عام (1992م)، من سَكَنَة أبي الخصيب منطقة نهر خوز، الذي عُرف بين أقرانه بالتزامه الدينيّ، وأخلاقه الطيّبة، ومواظبته على أداء صلاة اللّيل، وهذا ما أكسبه محبّةَ جميع مَن عرفه من أصدقائه وأقربائه وجيرانه.
كان الشّهيد السّعيد مؤسِّساً لموكب ذو الفقار الحسينيّ، ومِن زائري الإمام الحُسين مشياً على الأقدام، وكان قد اعتاد أنْ يهبَ دمَه لأبناء بلده، إذْ كان منضمّاً إلى مجموعةٍ من أصدقائه الشباب يبلغ عددهم حوالي (15) شخصاً، يتبرّعون بالدّم إلى المرضى الراقدين في المستشفيات بين الحين والآخر، وليس هذا بالشيء الغريب، فغَيرتُه على أبناء بلده، وضميرُه الحيُّ، ونفسُه الكبيرة، عوامل توافرت فيه أجبرته على التضحية من أجل بلده.
التحق بجبهات الجهاد المقدّس في شهر تمّوز من عام 2014م، بعد إكماله فترة التدريب على السّلاح مدّة (خمسة عشر) يوماً، وكان كثيرَ الحرص والحماس لمواجهة قوى الظلام (الدواعش)، وفي اليوم الذي أراد فيه الذهاب إلى ساحات القتال، قام شهيدنا السّعيد صادق - حسبما يذكر والده- بتوديع أهله وأصدقائه، وصار يُقبّل أيادي والديه، لكن بطريقةٍ ملفتةٍ النظرَ، وكأنّه لن يراهم بعد هذه المرّة، وظلَّ يتجوّل في البيت، ويُكْثِر مِن الصّلاة، حتى أنَّ والدَه استغربَ مِن حالته هذه، فقال له: بُنيَّ ما بالَكَ تودِّعنا بهذه الطريقة الغريبة؟ أشعرتني وكأنّك لن تعودَ إلينا، فقال صادق لوالده: أودُّ أنْ أُخبرَك أمراً وبصراحةٍ، يا أبي لم يَبقَ مِن عُمري إلّا يومين فقط، فاندهش الأب من ذلك، فقال له: ولدي ما الذي يجعلك متأكّداً من ذلك؟ فأجابه صادق:
يا أبتي لديَّ إحساسٌ بذلك، وسرعان ما التحق الشَّهيد السَّعيد إلى جبهات القتال، وكان بطلاً مقداماً في المواجهة، حتى إنّه قتل من الأعداء ستّةً، ومِن بطولاته التي شهِد له بها أصدقاؤه المقاتلينَ معه، تواجدُهُ في جبهات القتال الأماميّة، ففي مرّةٍ كان الأعداء قدْ تحصّنوا - ومِن بينهم قنَّاصٌ- في أحد المنازل، فاقترحَ على أصدقائه أن يضربوا أحد جوانب البيت بصاروخ قاذقة، وكان الجانبَ الأيسرَ، وبعد إصابة المنزل بالصّاروخ، قام الشّهيد البطل باقتحام المنزل وقتل القنّاص ومَن مَعَه.
ذكر والد الشّهيد أنَّ ابنه صادق في يوم (13/7/2014م)، الموافق (15/ رمضان/ 1435هـ) -اليوم الذي استشهد فيه(رحمه الله)- كان في منطقة النباعيّ، وقد اتّصل صادق بوالده هاتفيّاً وسلّم عليه، وطلب أنْ يُكلِّمَ والدته وإخوته جميعهم كي يُسلِّم عليهم، وكانت ساعةُ الاتصال الثانيةَ بعد الظهر، وبعد هذه المكالمة الهاتفيّة بلحظاتٍ استشهد الشّابُّ الغَيور البطل صادق حسن بدير، بسبب انفجارِ عبوةٍ ناسفةٍ، كان الشّهيدُ حينها حاملاً على كتفيه أحد جرحى أبطال الحشد الشعبيّ محاولاً إنقاذ حياته، فاتصالُه بأهله وتوديعهم دليلٌ على إحساسه بساعة استشهاده(عليه السلام ) ، فالتحق صادق بركب الشّهداء السّعداء، وروَّى الأرض بدمائه الطاهرة، مقتدياً بإمامه الحُسين(عليه السلام ) الذي ما غابت عن باله قضيّتُه، فقد ذكر والدُه أنَّ صادقاً كان يحمل معه رايةً خضراءَ اللّون عند استشهاده، كان قد اعتاد حملها معه عند زيارته الإمامَ الحُسين(عليه السلام ) حينما كان يزوره مشيَاً على الأقدام من البصرة إلى كربلاء، فلم تفارقه رايةُ الإمام الحُسين وقضيّته حتى آخر يومٍ من حياته.
فسلامٌ عليه يومَ وُلِدَ ويومَ استُشهِدَ ويومَ يُبعث حيّاً، وحشره اللهُ مع الأنبياء والصدّيقينَ والشّهداء، وحسُن أولئكَ رفيقاً.
جاسم محمّد