أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهيد السعيد فادي عبد الأمير الإمارة
2023/09/25


إنَّ أكبر عَقبةٍ يُواجهها الأنبياءُ في دَعوتِهم النّاسَ إلى عِبادةِ اللهِ جَلَّ شأنُه هي التقليدُ الأعمى للآباءِ والأسلافِ، الذي تَلبَّسَ بِه المُناوئونَ لهم، قال الله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلفَينَا عَلَيْهِ ءَابآءَنآ أَوَلَو كَانَ ءَابآؤُهُم لا يَعقِلُونَ شَيئاً وَلَا يَهتَدُونَ)، وعِندما نُطالع سِيرةَ مُعظمِ الأنبياءِ نجدُ أَنَّ السّببَ في رَدِّ دَعوتهم إلى التوحيدِ هُو عِبادةُ النّاسِ الهَوى في الباطنِ، وعِبادةُ الأصنامِ والآباءِ والأسلافِ في الظاهرِ، وإنَّما قُلنا يَعبدونَ صَنمَ الهوى باطناً؛ لأنَّه السّببُ الحقيقيُّ لهذا الاتجاهِ، فالمَصالحُ الشَّخصيةُ ودوافعُ الأنا هي التي تَدعُوهم إلى ردِّ دَعوةِ الأنبياءِ وعِبادةِ الواحدِ الأحدِ، لِهذا عِندما يُوجَّه إليهم الدليلُ القاطعُ يَحيرونَ جَواباً، ويُطأطئون رُؤَوسَهم (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ* ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ) ، وعلى الرُّغمِ مِن إذعانِ أَنفُسِهم للبُرهانِ القاطعِ إلَّا أنَّ عَصبيّتهم تَأبى أنْ يَتَّبِعوا الحَقَّ؛ فَيلجؤونَ - لِسيطرةِ سُلطانِ الهَوى عليهم- إلى العُنفِ والتقتيلِ والتنكيلِ بعبادِ الرَّحمنِ، وهذا هو مِنهاجُهم على مَرِّ التأريخِ.
وعِندَ التمعّنِ في الخِطابِ القُرآنيّ نرى بوضوحٍ نوعينِ مِن التقليدِ، أحدُهما مَمدوحٌ، والآخرُ مَذمومٌ، وفيه عِدَّةُ صُورٍ، مِنها تَقليدُ الجَاهلِ لمثلهِ مِن الجَهلةِ، وهُو التقليدُ للآباءِ والأسلافِ على غَيرِ هُدى، وهُو ما لا يَقبلهُ العقلُ ولا الشَّرع (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) ، بَلْ حَتَّى الحَيوان غيرُ العاقلِ لا يَتَّبعُ الآباءَ والأُمَّهاتِ دائماً، وإنّما يَتَّبعُ الغَريزةَ التي تُنجِّيهِ مِن هُجومِ الحيوانِ المُفترسِ.
ومِن أشدِّ أنواعِ هذا التقليدِ بُطلاناً وحُرمةً تَقليدُ العَالمِ للجاهلِ، عندما يَتركُ صاحبُ العقلِ والفَهمِ عِلمَه ويَحذو حَذوَ الجُهَّالِ، ويَتَّبعُ أبالسةَ الإنسِ والجِنِّ، فيخلدُ إلى الأرضِ، ويَركسُ في المُوبقاتِ، فَيُسلبُ مِنه العِلم، ويَكونُ وبَالاً عَليه.
وأمَّا المَمدُوحُ مِن التقليدِ فما أَمرَ به الشرعُ، ونَدبَ إليه، إذْ يَجبُ على الجاهلِ اتّباعُ العالم على وفقِ شرائطَ بيّنها الأئمّة(عليهم السلام) فهُم ورثةُ الأنبياءِ (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، وقد أُمرنا في زَمنِ الغَيبةِ الكُبرى أَن نَرجعَ في أُمورِ دِيننا وأَحكَامِنا إلى الفُقهاءِ الأعلامِ كما وَرد عنهم (عليهم السلام) إلى شِيعَتِهِم: (فأمّا مَن كان من الفقهاءِ صائناً لنفسِه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمرِ مولاهُ، فلِلعوامِ أن يقلِّدوه) .
ونحنُ –اليومَ- نَعيشُ هَجمةً شَعواءَ يَقودُها أهلُ الشقاقِ والفجورِ، ويتبعهم الناعقونَ مع كُلِّ ناعقٍ مِن أهلِ الضّلالةِ والكُفرِ، وممّن مَشى في رَكبِهم مِن المُنسلخينَ عَن العلمِ، والمُرتكزينَ في شِباك الشّيطانِ، وقد تصدَّى لَهم أهلُ التقوى والورعِ، وأعلنوا وقُوفهم سَدَّاً مَنيعاً يَحمي سُورَ الدّينِ الحنيفِ، يَتصدَّرهم سَليلُ الدّوحةِ الهاشميَّةِ المَرجعُ الأعلى السيّد السيستانيّ(أدام اللهُ ظلّه)، إذْ أصدرَ فتواه في وجُوبِ الجهاد الكِفائيّ ضِدَّ أهلِ البغي والضلالِ لردِّ كَيدِهم إلى نُحورِهم، فشمَّرَ المُؤمنونَ عَن سَواعِدِهم، مُتقلِّدين أسلحَتَهم، مُستجيبينَ لقادتِهم العُلماءِ، مُسرعينَ إلى دِيارٍ سَقطَ بَعضُ أهلِها في التقليدِ الأعمى؛ فكانوا ملجأً لأهلِ الغَدرِ والنفاقِ، فدارتْ عليهم دائرةُ السَّوءِ، فُهتكتْ حُرمتُهم، وذُبحَ رِجالُهم، وسُبيتْ نِساؤهم، وشُرِّدوا عَن عقرِ دارِهم، وأذاقَهم الدواعشُ الذلّ والمهانةَ، فلمْ يَنصرهم سوى التُرابيّينَ، أتباع أهلِ البيتِ ( عليهم السلام )، فقدَّموا القَرابينَ يَتلو بعضُها الآخر؛ نُصرةً لإخوانهم، بَلْ أنفسهم، كما سمّاهم المَرجعُ الأعلى (دام ظلّه الوارف)، ومِن بَينِ أولئك القرابين الشَّهيدُ السَّعيدُ (فادي عبد الـحُسين الإمارة).
ولد الشّهيد فادي عام (1407هـ - 1987م) في محافظة البصرة، قَضاءِ خُور الزبير، ونشأ في رُبوعِ أُسرةٍ طَيِّبةٍ، ربَّته على وَلاءِ العِترةِ الطاهرةِ، تَلقَّى عُلومَه الأكاديميَّة في مَدرسةِ الخليجِ العربي الابتدائيَّة، ومن ثَمَّ أكملَ دراسته في مُتوسّطةِ خُور الزبيرِ، وبَعدها دَخلَ مَركزَ التدريبِ المِهنيّ، وحَصَلَ على شهادةِ المَركزِ التي أهَّلته للعملِ، فكان مُعيلاً لوالدته وأُختَيه بَعدَ وفاةِ والدهِ.
ثُمَّ التحق بصفوفِ الجيشِ، وتَلقَّى عِدَّةَ دَوراتٍ عسكريَّة أهَّلته أَن يكونَ ـ فيما بعدُ - قائداً في صُفوفِ الحشدِ الشعبيّ.
وقد عانى فادي في الجيشِ مِن بَعضِ النفعيّينَ وأصحابِ المَصالحِ الشَّخصيَّةِ، فَقَد تَعرَّضَ لإصابةٍ مَزَّقتْ أحشاءه، وأثَّرتْ عليه أثراً جسمانيَّاً بليغاً، إلَّا أنَّه قُوبِلَ بالإهمالِ المُتعمَّدِ من المعنيّينَ، ولمَّا لم يَجدْ فادي العنايةَ والدَّعم تَركَ صفوفَ الجيشِ مُرغماً، فاضطُرَّ للعملِ كاسباً ليُعيلَ عائلَته ويرعاها، ولهذا السببِ نَفسه لم يَتزوَّجْ؛ لتحمّلِه هَمَّ العائلةِ (إعالة والدته وأختيه).
اتَّصفَ الشّهيدُ بالعطفِ والحَنانِ، وكَثيرٍ مِن الخِصالِ المَحمودةِ، وكان له تعلّقٌ خاصٌّ بسيِّدِ الشّهداءِ (عليه السلام) ، إذْ كانَ يسيرُ مشياً في زيارةِ الأربعين، ويصطحبُ معه في العادة ابنَ عَمِّهِ سجَّاداً ـ الأخُ الشّقيقُ للشَّهيدِ السَّعيدِ زَينِ العابدينَ ـ الذي يُمثِّلُ بالنسبةِ له الصَّديقَ المُقرَّبَ، ورَفيقَ الدَّربِ.
وقد وصَفَ لنا سَجَّاد الشَّهيدَ فادي مُعبِّراً عَنه بِأخي ومُعلّمي وقُدوَتي، وأنَّه كانَ مِثالاً للصدقِ والإخلاصِ، فهُو نِعمَ العَضُد، وبه يُشدُّ الأزرُ، وكانَ ذا هِمَّةٍ عَاليةٍ، وقد أسَّسَ مع زَينِ العابدين وبقيَّةِ الأصدقاءِ الحُسينيّينَ مَوكبَ أُمّ البَنين لِخدمةِ الزَّائرينَ، وإقامةِ مراسم العزاءِ لأبي الأحرارِ، وكانتْ أُمنيتُه في الدنيا أَن يُرزقَ الشَّهادة.
ولمَّا تَعرّضَ أصحابُ التقليدِ الأعمى لبلد المقدّسات لم يقرَّ لفادي قَرارٌ، فذهبَ إلى باسلٍ مِن الطالبيّينَ هُو السَّيِّدُ إبراهيمُ المُوسويُّ يسألُه عَن الأخبارِ فطمأنَه السّيِّدُ بوجُودِ أُسودٍ ضوارٍ من حَمَلَةِ العَقيدةِ، لا يهابونَ الموتَ، بلْ يستأنسونَ به استئناسَ الطفل بمحالبِ أُمِّهِ، فدخلَ على قلبه السُّرورُ، وسَارَ مَع رَفيقِه السّيِّدِ إبراهيم للدِّفاع عن الدِّين والوطن، وقد طَلَبَ السّيِّدِ من فادي أنْ يدعُوَ له بالشَّهادةِ لإخلاصه، فقال له فادي: وأنتَ كذلك اُدعُ لِي بالشَّهادةِ، فابتهلا إلى اللهِ مُتوسِّلَينِ بِحُرمةِ أهل البيت(عليهم السلام) فشاركَا في جبهات القتال وَوُسِما بوسَامينِ في بدنيهما، فرجعا إلى البصرةِ إثر هذه الجراحات، ثمَّ عَادا إلى ديالى بعد الشِّفاء، وشارك فادي مع السّيِّد في أغلبِ المعاركِ في ديالى، مِنها معركة الِعْظِيم، والطالعة الأُولى والثَّانية، وفَكّ الحصارِ عن آمرلي، وقَدْ وُسِمَا بِجُرحينِ آخرينِ، ولم يَتماثلا للشِّفاءِ تماماً حتّى عادا، وفي هذهِ المرَّة مُنع فادي مِن التقدّمِ إلى الخُطوطِ الأماميَّة؛ لِفقدانِ جِسمِه المناعةَ بسببِ كثرةِ الجراح في بدنهِ بحسب تقرير الطبيب المختصّ، ولكنَّه لم يُطِقْ ذلك، فمنعه السيِّدُ -الذي كان آمرَ فَوجِهِ- فامتثل، ثُمَّ كانَ هُجومُ جِبالِ حِمرين- المقداديَّةِ، وكان فادي قد أقنعَ آمرَ فوجِه بِمُشاركتهِ، فكان هُو المُعاونُ لآمر الفوجِ وقائدُ عمليّات الاستطلاع، غَيرَ حاملٍ كلامَ الطبيب مَحملَ الجِدِّ، وما أنْ دَخلَ الهُجومَ حتَّى تَعرَّضَ بَدنُه إلى إصابةٍ بسيطةٍ أودتْ بحياتهِ؛ لانعدام المناعةِ في جسمهِ بسببِ جُروحِهِ السَّابقةِ، فكانَ أوَّلَ مَن تَقلَّدَ وسامَ الشّهادةِ في هذهِ المعركةِ بتاريخ(23-1-2015)، وقد زُفَّ الشَّهيدُ مع بَقيَّةِ الشّهداءِ الذين كان عَددُهم بعددِ المعصومينَ الأربعةَ عشرَ، فصارَ تَشييعُهُم بحقٍّ عُرساً للشّهادةِ، وقد زَفَّه رفيقُ دَربهِ الذي دعا له بالشّهادةِ، واستقبلَ أهلُ ناحية أُمّ قَصرٍ الشّهيدَ بِالورودِ والرياحينِ، ودُموعِ الحُزنِ والأسى، التي جرت على فراقهِ، وعلى الفرحةِ التي غَمَرت أعماقَهم ابتهاجاً بِنيلِهِ المقامَ الرفيعَ في أعلى عِلّيّينَ، مع الأئمّةِ الطاهرينَ، فَسلامٌ عليهِ في الخَالدينَ، وهَنيئاً له لِقاء رَبِّ الشُّهداءِ والصّدِّيقينَ.