أدب فتوى الدفاع المقدسة
"ما ننطيها برجه".... طوسي ابو علي
2026/01/15
بقلم:- لبنى مجيد حسين
كلمة عفوية ذهبت مثلاً عند من يعرفه او سمع به؛ لأنها صدرت عن قرارة نفس مؤمنة محاصرة بين عدو ونار في معارك بيجي، خُيّل له فيها انها اخر عهده بالدنيا - وتعني اننا لا نعطيها بسهولة ولا ندخر وسعا في حفظها.
انه المتطوع يعقوب قاسم عباس الربيعي من لواء علي الاكبر شاب في عقده الثالث، من سكنة البصرة، وأب لأربعة أبناء، آخرهم أبو القاسم المولود مع انطلاق الفتوى المباركة للدفاع الكفائي.
هجر إبان الانتفاضة الشعبانية مع عائلته من قبل النظام الصدامي الدموي إلى خارج حدود العراق، وقضى طفولته وصباه في مخيم رفحا الصحراوي، عراقيا لا يعرف شيئا عن وطنه ولا يحتفظ له بصورة، الوطن هو ما كان يسمعه ويراه في عين والده الذي صبر رافضا كل طريق لا يرجع للوطن. وسقط الحزب الدموي وخطت قدمه على ارض الوطن بعد أربع عشرة سنة، مخلفا وراءه قبر ذلك الوالد الصبور.. ودرج كما الرجال في معترك الحياة واستطاع أخيراً أن يخط له بيتا صغيرا يوثق فيه انتماءه قولا وفعلا.. كيف لا وقد أصبح أباً ومسؤولا، ولكن ذلك لم يكن ليسلبه البصيرة أو أن يتخلف عن مواقف الرجال، فها هو وسط ضجيج السياسيين يرمي ببصره نحو النجف، يكتنز من الغيرة على الدين والوطن ما يجعله مراقبا غير غافل، وعالما غير جاهل، مجاهدا في الله ذاته وما يزال.
هو هذا سر تلبيته نداء المرجعية سريعا، هو هذا محركه نحو أبواب التطوع يطرقها بابا بعد باب يبحث عمن يتيح له أداء التكليف وكل ما يقض مضجعه تلك الوساطات التي منعته أول الأمر حتى فاز بالالتحاق.
عن الرجولة أتحدث..
عندما يصعد ابن البصرة الآمنة ليدافع عن بيجي في ظروف تعجز عن الصمود فيها الجيوش المدربة.
عن الغيرة أتحدث..
عندما افكر انه في اجازته الثانية يستنجد به أخوه المحاصر في قاطع بلد،
فيلتحق من يومه مع ثلة مؤمنة لدعم سبعة أنفار محاصرين ويصمد معهم حتى يأتيهم المدد..
عن الإيمان أتحدث..
عندما يصمد تسعة أشخاص صائمين في صيف لاهب ويحفظون نقطة حراستهم في أشرس هجمة للعدو تستمر سبع ساعات متواصلة بدون انقطاع، يستخدم فيها العدو المفخخات والقذائف والحارق دون جدوى.
عن البطولة أتحدث..
عن مصاب في احدى المعارك يرفض الإخلاء لقلة العدد فتصيبه قذيفة
أخرى، ويقاتل والدماء تشخب من جسمه فاقدا السمع حتى يتوقف التعرض ويأمن الجمع. عن العهد أتحدث..
عن مقاتل حين يتوقف سلاحه يأبى الاستسلام فيفتح كاميرا ويسجل لمن معه ولمن سيأتي بعده ولمن تركهم خلفه ان في العراق رجالاً لا تهزهم المصاعب واصفا ساعته الأخيرة بانها اجمل ساعات العمر وانهم ماضون على العهد (ما تنطيها برجه) وعد الرجال للرجال.
عن الصمود أتحدث.. عن القتال في مكحول في ذلك العراء بين الاودية والجبال، برد قارص ومطر غزير وعدو متربص ما ان يغفل احدهم خطوة قدم حتى يقع صريعا، عليك حينها ان تسحب حبيبك المسجى برفق، ثم تنهض لتكمل مسيرك وأنت تردد بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله .. عن العزم أتحدث.. عن تقافز اصحاب البأس حين انتخاب ثلة لفك حصار او استرجاع نقطة مرابطة او انقاذ ارواح محاصرين قد تكون انت فداء لهم في اي لحظة.
عن البصيرة أتحدث.. عن قلب لا يهزه وسوسة المثبطين والمنافقين ولا يترك الساحة اذا رأى ما
يكره ويكظم غيظه كما فعل اصحاب الرسالات لتكون كلمة الذين امنوا هي العليا.
عن الوصية أتحدث.. عن وصية لا يقبل التهاون فيها هو ان ترسل له خطبة الجمعة للمرجعية العليا لأي مكان وبأي وسيلة واصفا اياها بأنها (بوصلة مسيري الى الله).
عن الرحمة أتحدث.. عن قلب موجوع بالفراق عن قدمين تختلف في سيرهما اذا مر ذكر الاهل والولد، عن دعاء لاجل زوجة تُرك عليها حمل ثقيل، عن اخت لم تجد تعبيرا عن الحب الا اخفاء بدلته العسكرية، ولم يجد سبيلا الا شراء أخرى وتكرر ويكرر دون ان يجرح ذلك القلب حتى يغلب اداء الواجب الله على كل ما عداه...
عن الحب أتحدث.. وقلب يتفقد أحوال الأبطال الصامدين ثم يفاجئهم بنشر صورهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ويرسل قلمه بما يزيدهم عزما؛ فينعش نفوسهم المتعبة لمشقة ما يجدون ويحرك أصدقاءهم للاتصال بهم ورفع الهمم...
عن الوفاء أتحدث عن نفس مؤمنة تتذكر الشهيد تلو الشهيد ثم تنهض للواجب مخالفة هوى الأقربين استجابة لأمر ربهم بالجهاد...
بهؤلاء وزوجاتهم اللاتي يقف خلفهم تتنفس الكرامة.
_____________________________________________________________
المصدر : موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 58، ص77-78.
صور من الخبر