أدب فتوى الدفاع المقدسة
سأبقى هنا..
2026/01/24
لم أره من قبل ينعزل عنا بهذا الشكل، ينفث دخان سيكارته بهذه الحرقة، وهو يرصد ظلمة القرية المهجورة والشجر الكثيف، وكأنه ينظر إلى قرية الهنشي لأول مرة، يمثل لي هذا الرجل الجانب الحي الحقيقي داخل هذا العالم الملغم، حتى في أسوأ الأزمات لم يفارق ثقته بنفسه، فهو على الرغم من تجاوز عمره الستين بعامين لكنه كان يزود الشباب بالثقة والشجاعة والحراك الدؤوب، يقول: دعوا الأسماء، فأنا أحب الأرض بجميع أسمائها، كلها عراقية، لكني أرى أن قريتنا الهنشي توحدت معه امعه روحياً، وأكيد هي تعرف الآن ما القضية التي جعلته يفور كمرجل غضب لا يهدأ...
: ما بك؟
هل تعاني من وعكة صحية؟ ه
ل أنقلك إلى الطبابة؟
وعندما رأيته لا يجيب، قلت لاستدرجه في الكلام:- انظر لهذا الجرف الممتد من النهر إلى مواقعنا التي هي في أول القرية، كانت تنبض بالجمال والحياة، لكن يبقى هذا الشجر جميلاً في النهار مخيفاً في الليل..!
فأجابني: الشجر هو شجر ليلاً أو نهاراً، لكن عليك أن تنظر إلى الإنسان كيف يقدر أن يتخلص من آدميته ومشاعره وإنسانيته، ليحول نفسه إلى كتلة نار تلتهم أجساداً خلقها الله تعالى، لا فرق بين المكان والزمان لديه حقد على الطفولة والأمومة والحياة، يفجر المدارس والمستشفيات والمساجد، وحتى نفسه التي يراها ضالة ولا يقومُها إلا بموت الآخرين.. الله تعالى خلق الحياة وفيها الصفاء والمحبة والسلام...: هل أخبرتك الهنشي بشيء محزن... هجوم متوقع...
: وما الذي تتوقعه من عدو يقبع عنك مسافة ۷۰۰م؟
لقد أدمن الحقد والدسيسة، وتمرس بالموت والحرب والدمار..
هو جاء إلى السواتر من أجل أن يحول الحياة إلى موت.
ونحن جئنا لنبعد الموت عن ناسنا.
قلت مع نفسي: الحاج أبو كرار الطبراوي أكبر من أن يهزه، خوف، لكن المسألة تبدو مختلفة عن هذه الأمور، ولا أعتقد ثمة أمور في البيت تقلقه أبداً، ورحت كعادتي أستدرجه، أبحث في الجوال عن
ور تحفل بالمواقف النيرة
صور
:-انظر لهذه الصورة يا حاج... هذه أين..؟
: هذه في جبل حمرين، وتم تطهير المنطقة بالكامل..
.. وهذه أين..؟
ت هذه في تكريت عند تحريرها.. وشاركت في معركة الزلاية كمراسل حربي، وهذه لقطات من تحرير منطقة الصينية.. وهذه في بيجي..
كان صاحبي يعمل بواجبين بصيغة مقاتل ومراسل حربي، لم أستطع معرفة زعله المفاجئ، وربما تخصصه الإعلامي جعل مهمتي مكشوفة امامه، فقررت تغيير أسلوبي إلى النسق العاطفي..
يا حاج، لولا الحرب لكان هؤلاء الشباب في أحضان أسرهم.
لم يتحرك صديقي الحاج فرحت أستعرض لنفسي بعض الحوارات وأسمع صاحبي.. : مع كل الخراب الذي احاط قريتي الهنشي بقى اسمها نفسه، ونحن سنعيد لها الحياة بعد النصر إن شاء الله تعالى...
تذكرت الحاج أبو كرار، وهو يهزج يوم حررناها، وتم الالتفاف نحو الطاقة الغازية والحرارية في بيجي، كانت أهازيج أهل الجنوب تحتضن جميع القرى المحررة المحيطة كقرية شويش، وحاوي
البوجواري..
أووه.. يبدو أن غضب الحاج أكبر من الذكريات، لكن الغريب في الأمر أن الحاج تعرض إلى مواقف كثيرة مؤذية حيث شيد الدواعش حملات إعلامية مسعورة تعمل لتشويه صورته وحضوره، وما جعله يلوذ بالصمت، ولم يبق أمامي سوى العرض المباشر للسؤال..
: أقسم عليك بكل غال يا حاج حدثني ما بك..؟
قال حينها بصوت حزين...
: لم أستوعب الأمر للوهلة الأولى لدهشتي من الأمر، وما إن سمعت الخبر حتى جنوني، إنهم
يحاربون وجودنا .. يلتفون على قرار المرجعية بالدفاع...
برهة صمت ثم يسألني..
: أليس من حقي أن أغضب.. متى حددوا الدفاع بعمر ..؟ هم يريدون عزل حبيب بن مظاهر عن واقعة الطف؛ لأن عمره تجاوز السن القانونية التي وضعتها الحكومة للجهاد..!
ما تريت في التاريخ
مؤلم:
أردت أن أهدى هذا الغضب الساطع فيه قلت...
: لا أعتقد أن قراراً يحدد أعمار المجاهدين في الحشد الشعبي ستتم الموافقة عليه.. فصرخ بنشيج
إنها كارثة كبرى.. لكن ثق لا أحد يستطيع أن يوقفني عن القتال، ماذا عندهم لدي؟ الراتب.. أنا لم أستلم أي أجور على وجودي هنا، وإذا منعوني من الجهاد كمقاتل لكونهم سيحددون الأعمار، فأنا سأبقى هنا كمراسل حربي .. سأبقى هنا مع المقاتلين، لا يستطيع أحد أن يمنعني من البقاء هنا.. في كل الاحوال أنا سأبقى هنا... لا يستطيع أحد أن يمنعني من البقاء هنا.. في كل الاحوال أنا سأبقى هنا...
_________________________________________________________________
المصدر : موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء76، ص76-77-78.
صور من الخبر