الشهداء أمراء الجنة.. الشهيد السعيد الشيخ رضا عبد الرزاق المياحي
2026/08/05
ولد الشيخ رضا عبد الرزاق المياحي عام ١٩٨٤م في محافظة البصرة في عائلة متدينة معارضة لنظام البعث وكان يتعبد في جامع الحاج حمود الملاك وكذلك في جامع الإمام السجاد وكان يقيم الآذان الثاني في صلاة الجماعة.
عاني الشيخ رحمه الله في مرحلة طفولته وصباه من عجز تام في الكليتين ، وقد عجز الاطباء عن علاجه حتى ان الدكتور المختص وبعد مراجعات عدة اخبر والده بانه لا جدوى من أنفاق الاموال في علاجه وهو بهذا الظرف العصيب فأن ابنه (رضا) لا ينجو ولم يتماثل للشفاء ، وان الموت قريب منه ، وفعلا بقى يعالج المرض ولم يتماثل للشفاء ولو بنسبة قليلة إلا أن الرعاية الربانية واليد الغيبية هي الكفيلة في خلاصه من هذا المرض الذي ألم به ، ففي ليلة رأى والد الشهيد في المنام كأنما هو في ضريح السيدة فاطمة المعصومة عن السلام، فشكى لها حالته وطلب منها الدعاء لشفاء ولده، وفي الصباح جاء به الى الطبيب المختص وإذا بالطبيب يفاجئ بشفائه ( رحمه الله)، ولما تماثل للشفاء وأكمل الثالث المتوسط من التعليم الاكاديمي ارتحل لطالب العلوم الدينية في النجف الاشرف بتشجيع من والده مع صعوبة هذا الامر في ذلك الزمن وقد خصص له راتباً شهرياً ، وكان ذلك في عام (۲۰۰۰م) وسكن في مدرسة الأزري في خان المخضر.
درس المقدمات الحوزوية على يد اساتذة افاضل منهم : الشيخ قاسم الكعبي ، الشيخ الكرباسي رحمه الله وغيرهما ، وكان مثابرا وذكيا ومتواصلا معهم في تحصيل العلوم الدينية الى زمن سقوط النظام في عام (۲۰۰۳م)، بعد ذلك اكمل دراسته على يد اساتذة اجلاء كالشيخ حسين البهادلي والسيد حسين الحسيني. اما مرحلة السطوح فقد درس اصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر على يد استاذه المقرب الشيخ ياسر الركابي، ودرس اللمعة عند السيد نسيم الباكستاني النجفي، وحضر الحلقة الثانية عند الشيخ الدكتور حيدر السعدي، ودرس المكاسب المحرمة عند السيد علي النوري، ودرس كتاب البيع عند السيد رشيد الحسيني، وحضر درس كفاية الاصول عند الشيخ عمار الخزعلي، وقد حضر دروس أخرى كالعقائد والتفسير عند آية الله الشيخ محمد السند، وكان على علاقة طيبة بجميع اساتذته ؛ لما يحمله من خلق عال وروح المتابعة والمثابرة والمشاركة بالدرس وبقي يواصل درسه حتى بعد التحاقه بصفوف المجاهدين في ايام استراحته. فبعد أن دخل الحوزة العلمية كان مراده وهدفه الذي يروم تحصيله هو ان يكون خطيباً حسينياً يخدم الامام الحسين واهل البيت من أجل أن يدون اسمه في ديوان خدمة الحسين الله وإرشاد المؤمنين الى ما فيه الصلاح والنجاح ، فبدأ رحلته في الخطابة الحسينية ودخل دورات عدة في تعلم فن الخطابة كان آخرها في معهد الشيخ الوائلي رحمه الله بإشراف الخطيب الحسيني سماحة الشيخ علي شكري، فاصبح خطيباً بارعاً امتاز باسلوب خطابي يستهوي كل من جلس واستمع الى منبره، وخدم في هذا المجال في أماكن عدة في داخل البصرة وخارجها في محافظات منها ديالى - ايام الطائفية والقتل - قرأ فيها قرابة ست سنوات في مناطق منها قضاء المقدادية، ومنطقة الوجيهية ، والبينكاني والحي العسكري، وحي الحسين، ومنطقة العزي، وفي قضاء بلد روز و مناطق اخرى ، وفي مدينة الناصرية، والحلة، وبغداد، وسامراء، والنجف الاشرف . وكان الشهيد في زيارة الاربعين يبذل كل ما عنده في سبيل خدمة الامام الحسين وزواره ويفرغ بيته من اهله لاستقبال الزائرين من الايرانيين وخدمتهم، حتى ان بعضهم حين علم باستشهاده حضر الى مجلس عزاءه وعندما عادوا الى طهران وما زندران وغيرهما أقاموا له مجالس العزاء.
مما أمتاز به الشهيد: أنه كان مواظبا على أقامه المجلس الحسيني حتى في سوح الجهاد وكان يقيم المأتم والعزاء للحسين، وأحيانا مع شخص او شخصين بل حتى لو كان نفسه فقط، وعندما يسأل لماذا تقرأ مع وحدك يقول: (هذه اراض واماكن لم يقم عليها عزاء لحبيبي الحسين فما أسعدني ان اكون اول من قرأ فيها وما أسعدها ان يقام عليها مجلس للحسين)، حتى ان أحد الخطباء الذين عايشوه وعرفوه يصفه قائلا: ان الشيخ رضا من البكائيين على الامام الحسين فما ان سمع او تلفظ باسم الامام الحسين ألا واستعبر وأجهش بالبكاء.
لبي الشهيد نداء الدفاع الكفائي منذ صدور الفتوى المباركة والتحق بالعتبة العلوية ضمن لجنة الارشاد والتعبئة للدفاع عن عراق المقدسات ، ولم يقتصر دوره على كونه مبلغاً ومرشدا بل كان مقاتلا وداعا لإخوانه المجاهدين متقدماً عليهم على الرغم من قلة خبرته في الجانب القتالي؛ إذ لم يكن مدربا من قبل ولم يخدم في العسكرية حتى ان بعض اصحابه يسمونه ( المضحي) ، فكان معهم كأحدهم وصديقهم ولذلك احبه الجميع وتعلق به ، بل كان له دور بارز في قاطع اليوسفيه عالج كثيراً من نقاط الضعف ولم يقتصر على گونه مبلغاً بل دخل معهم في مداهمات على مواقع الدواعش وبذل جهداً كبيراً – مع صديقه معتمد المرجعية الشيخ مهند الناجي عن طريق علاقاته - بجمع التبرعات لسد بعض الاحتياجات للمجاهدين من سلاح وعتاد وبعض المبالغ المالية، واصبح شغله الشاغل القتال وهمه الوحيد ان لا تفوته معركة؛ لذا اصر على اللجنه في العتبة العلوية للإرشاد ان يذهب الى الجبهات في حالة الطوارئ في اوقات القتال والمعارك، حتى انه رحمه الله دائماً يقول : ( عند رجوعي من الجهاد اشعر بالغربة).
. شارك في معارك عدة منها: الصقلاوية وتحرير الفلوجة ومعارك تحرير الموصل.
في وقت استراحته كان يذهب في الدعم اللوجستي لرفع الروح المعنوية للمجاهدين وادخال السرور على قلوبهم.
وقد توسم بوسام الشرف قبل شهادته فقد اصيب في الموصل أثر انفجار سيارة مفخخة بكتفه الأيمن وكسرت عظام كتفه وبقي طريح الفراش، والتحق قبل ان يكتسب الشفاء التام، ومجرد ان أحس بأنه يمكنه الوقوف والسير ذهب من جديد ورجع الى اخوته المجاهدين. كان رحمه الله عاشقاً للشهادة ومتمنياً لها ومدركاً بقربها منه لذا كان في آخر أيامه اوصى بعض اصدقائه بعد شهادته بما اهمه ومن يصلي عليه واوصى الشيخ الخطيب عبد الله الدجيلي ان يقرأ على جنازته مجلس عزاء للإمام الحسين ال واختار بعض الابيات التي يقرؤها. ينقل احد الشيوخ من اصدقائه المقربين وهو الشيخ ( بادي) فيقول : ( قبل المعركة بليلة كنا مجتمعين وطلب الشيخ ( عبد الرضا) منا ان يدعو بدعاء ونحن نؤمن على دعائه فقال : ( اللهم اسألك الشهادة) ، وفي الصباح بدأت المعركة في الساعة ٩:٣٠ صباحا وقد حاصر الجيش منطقة ( السحاجي) في الجانب الايمن للموصل ورماها الجيش بالهاونات والقذائف ولم يجدوا ردا منها بعد ذلك دخلوا لتمشيط المنطقة وكان الفضلاء من المشايخ في المقدمة وكان الشيخ الشهيد معهم وفي الاثناء خرجت سيارة مفخخة ودخلت في شارع رئيس فتقدم الشيخ امامهم وبعدها رجع ينادي على أصدقائه قاوموها فلم يستطيعوا بما لديهم من سلاح ان يوقفوا هذه المفخخة فوصلت قريباً منهم وانفجرت فأصيب مجموعة منهم واستشهد آخرون اخرى كان منهم الشهيد السعيد الشيخ رضا المياحي ، وعندما ذهبوا اليه وجدوه قد نال مراده و تحقق مطلوبه والتحق بالرفيق وبمن يوالي ويحب محمد واله الاطهار، وقد وجد مخزن سلاحه فارغاً وكانت يده على مقبض سلاحه ودفن ويده بقيت بهيئتها وبطريقة مسك السلاح ، فسلام عليه يوم سقط شهيداً فقيداً والسلام عليه يوم حلّ بجوار معشوقه فائزاً وسعيداً، والحمد لله رب العالمين.
________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص 72 -75.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي