الشهداء أمراء الجنة.. الشهيد السعيد الشيخ عبد الجليل القطيفي
2026/07/21
بين أيدينا أناس كتب الله لهم النجاح والتوفيق في الدنيا والاخرة لأجل صلاح آبائهم واجدادهم (الشهيد الشيخ عبد الجليل نعيم حسن علي القطيفي)، فقد كان لوالده دور كبير في توفيقه وفوزه بنيل وسام الرفعة والسعادة ، فله في ذلك موقف يقف المرء أمامه مطأطأ رأسه أجلالاً وإكباراً لموقفه الصلب وصبره وعقيدته ودفاعه عن الدين والمذهب، إذ ينقل عنه في وقت مجيء نبأ استشهاد ولده الشيخ عبد الجليل جاءه ولده الاكبر متحيراً كيف يخبره بذلك النبأ الاليم الحزين خوفا عليه من عدم تحمل صدمة المصاب لفقد ولده البار صاحب الحمية والغيرة والخلق الرفيع، فحادثه متدرجاً بنزول المصاب : ( أبه أنت صاحب حسينية وخدمة للإمام الحسين وأهل البيت تحيي مصيبة وفاة النبي وباقي الائمة وأيام المحرم تتنقل مع القارئ من بيت الى آخر ، ماذا تريد وترجو من ذلك وما هو هدفك من ذلك ؟
فأجابه قائلا مفصحاً عما في مكنون قلبه من نوايا وخفايا صافية بصفاء فطرته ومعدنه: رضا الله تبارك وتعالى ورضوانه، فأجابه ولده وقلبه يعتصر حزناً وهو يمسك اعصابه واحاسيسه ما هو رأيك بمن يذهب الى رضوان الله؟
أجابه بلا تردد (هنيا له يا ليتني اكون مثله، عندها قال له أن ولدك الشيخ جريح جيء به من أرض الجهاد، قال باللهجة: (ابني هذا الطريق هو أختاره، لا تقول جريح بل هو شهيد وأعلم سواء كان جريح أو شهيد فأنها الشهادة والجهاد والشهيد مع فتوى المرجعية يروح مع اصحاب الحسين فهنيئاً له، شتريد احسن من هذه الموتة، كل أحنه انموت لكن موتة عن موتة تفرق أنا اموت بعد سنة أو اقل أو اكثر وهو كذلك لكن الفارق كبير ، ابني صيروا نشامه أذهب واستقبل أخيك مثل ما تستقبلون العريس ولا تستقبلونه مثل ما تستقبلون واحد ميت هذه موته مشرفه موته ترفع الراس) عندها انفجر الابن بالبكاء والنحيب لصعوبة الموقف وكلام أبيه وصلابته وصبره، هذا والده وتلك سلالته فهو ينحدر من قبيلة همدان التي استوطن قسم منها أراضي الجزيرة العربية الشرقية في منطقتي الاحساء والقطيف ، وقد كان قسم منها من أتباع أهل البيت و الاخر من المذاهب الاخرى فناصب بني عمومتهم العداء لهم فكانوا في ضيق وحرج شديد حتى نكل بهم وقتل منهم جماعة؛ لإحيائهم الشعائر الحسينية آنذاك ، فأرتأى بعض شيوخ ووجهاء هذه القبيلة أن يرتحلوا من تلك الارض الى أرض اكثر أمناً يستطيعوا فيها ممارسة طقوسهم الدينية؛ لان الشعائر الحسينية عندهم هي وقود الحياة والدم الذي يجري في شرايينهم وأوردتهم ، فارتحلوا من القطيف مخلفين وراءهم الاملاك من الحوائط والبساتين وغيرها مستصغرين كل ذلك من أجل المذهب وحرية التعبير عن الشعائر الحسينية.
هاجروا الى العراق وانتشروا فيه ، فمنهم من استوطن البصرة ومنهم من استوطن ذي قار ومنهم من استوطن
واسط وغيرها من مدن العراق، واستوطنت قبيلة الشيخ الشهيد في بداية الامر سوق الشيوخ. كان الشهيد منذ صباه محباً للعلم وللتعلم والعلماء، ففي ذلك الوقت كان الانسان الشيعي والموالي مراقبا في حركاته وسكناته، وكانت المعلومة نادرة ومحاربة ايضاً لكن كان الاخ الشهيد الاكبر كان يعقد للعائلة جلسة سرية على شكل أسئلة مبسطة في الفقه والقرآن وفي القضايا العقائدية والمعارف الاسلامية ، فأثرت في نفس الشهيد تأثيراً كبير، فما ان تخرج من الصف الثالث المتوسط حتى تبدلت حياته جملة وتفصيلا، فأخذ يبحث عن الكتاب والمعلومة ، ويسأل ويسافر من أجل استحصال المعلومة حتى انغرست المفاهيم الاسلامية في
نفسه.
كما كان متابعاً لما يجري من تغيرات واحداث تمر بها البلاد والعالم الاسلامي مع صعوبة الامر كما هو معروف في وقتها؛ لسطوة النظام البعثي وشدته وأساليبه الاجرامية في حق كل من كان متديناً، مع ذلك كله فقد كان الشهيد يتابع الاخبار السياسية التي تدور في العالم الاسلامي، وكان معارضاً لسياسة النظام البائد حتى أنه لما كان في الصف الاول متوسط -كان في وقتها السنة الثانية من الحرب العراقية الايرانية -استدعى اعوان النظام الطلبة الى التطوع للحرب وقيل لهم من يقبل التطوع ومن لا يقبل؟
فقام الشهيد الشيخ أمام الملأ الذي كان البعض منهم يدين للنظام بالود رافعاً يده قائلا: (أنا ما اتطوع)،
فاعتقل على أثرها وبعد مراجعات ووساطات أطلق سراحه فكان معارضا بلا تنظيم وبلا تحزب.
كان رحمه الله تواقا الى الجهاد حتى ان والده عرض عليه الزواج في عام ( ۱۹۸۸ م ) فرفض الشهيد ذلك قائلا له: ( أن مشروعي مشروع جهاد وليس مشروع زواج فلم يستوعب الاهل كلامه في وقتها؛ إذ كان هذا الكلام في وقتها يكبر على سنه ، فهو صاحب المواليد ( ١٩٦٨م ، ابن العشرين سنة، فما أن اتم درسته الابتدائية في (مدرسة غزوان الابتدائية والمتوسطة في (مدرسة الفاروق) والاعدادية في (اعدادية النصرية للبنين ) وتخرج من المعهد التقني فرع الميكانيك في محافظة الناصرية) حتى طلبت مواليده للحرب ، فأحتال بشتى الطرق على عدم الركون للنظام البعثي الظالم ، حتى أن الشهيد كان يُثير المرض الذي كان يعاني منه (الاكزمة) التي كانت في جسمه بمادة الاسمنت، كان يصطلي جسمه كله به بحيث يتفطر جسمه كله؛ لكي لا يعمل ولا يشارك الانظام في حربه وسياسته الرعناء، وفعلا ذهب الى اللجنة المختصة وفحص فخرجت نتيجة الفحص بأنه غير مسلح ، لكن مع هذا قرر عدم البقاء في العراق؛ لان (غير مسلح) قد يخدم في مجال آخر، وفعلا قبل انتفاضة عام ( ۱۹۹۱ م ) اتفق مع ابن خاله الذي كان عسكريا في البصرة في منطقة السيبة التابعة لقضاء الفاو على العبور الى جمهورية ايران في منتصف الليل عن طريق الشط على قطعة تعرف بـ(الفلين)، بعدها سلم نفسه للجهات الامنية الايرانية وبعد التحقيق معه تم اطلاق سراحه والتحق للجهاد في فيلق (۹) بدر)، وفي أيام أجازته يلتحق بدراسة العلوم الحوزوية حيث التحق بحوزة قم المقدسة في عام ١٩٩٢م ، ودرس المقدمات والسطوح ووصل الى البحث الخارج وكان استاذه فيه آية الله الشيخ محمد باقر الايرواني ، كما واصل دراسته في النجف الاشرف بعد عودته للوطن وسقوط النظام . وبعد سنوات طوال من الجهاد والغربة عاد الى الوطن بعد أن اكمل دينه ورزق بأطفال ، عاد بصفة عالم دين إذ قد لبس العمامة في عام (۲۰۰۰م) ، عاد وهو يحمل افكار وعقلية وقادة قائلا لأهله ومريديه وابناء محلته: (إن الشعب العراقي فقد الكثير طيلة خمسة وعشرين عاما، فالناس بحاجة الى المعرفة والمعلومة، وهذه المعرفة لابد ان تُعطى عن طريق الحكمة اللطف والرحمة حتى تتقبلها الناس) . كان شيخاً مثابراً وصادقاً في عمله وداعية الى مذهب أهل البيت ، كان شغله الشاغل وهمه الوحيد تبليغ رسالة أهل البيت في أوساط المجتمع، همه توعية الشباب المؤمنين في أمور دينهم وما يحتاجه الفرد المسلم من أحكام الدين .
كان سباقاً الى عمل المشاريع الخيرية، وله شأن قرآني في أقامته للدورات القرآنية في العطلة الصيفية ،كما كان لديه طموح بأن تكون هنالك لقاءات دورية بين الطلبة ورجال الدين لمناقشة أمور المسلمين وما تمر به البلاد .
وكان يتكتم على صلته بالفقراء والمحتاجين صونا لماء وجوههم وكان يرعاهم رعاية خاصة ويتفقدهم ليلاً . كان رحمه الله حريصاً على الصلاة في وقتها يوصي أخوته والاخرين بذلك قائلا: (إن في تأخير الصلاة عن وقتها تأخير للتوفيق والتسديد الالهي).
كان حريصاً على صلاة الليل وباقي المستحبات، كما كان يوصي بحضور مجالس الذكر ونبذ التفرقة ويقول: (لا تقولوا المسجد فلان يصلي فيه والمسجد الآخر فيه فلان انتبهوا فأن الاعداء استخدموا كل سلاح من أجل القضاء على الدين والاسلام ولم يفلحوا في القضاء على سر بقاء الدين وقوته وهو الاعتصام بحبل الله وولاية أهل البيت فنحن عندنا قاسم مشترك فوق الميولات والاتجاهات وهو ولاية أمير المؤمنين الله ) . كما كان له دور في حل النزاعات والخلافات التي تحصل في مجتمعه وبيئته، فكان رحمه الله ما أن يسمع بمشكلة حدثت حتى يبادر من تلقاء نفسه يجمع الخيرين من ابناء منطقته ويفض ذلك النزاع وتلك المشكلة. كان خادماً متواضعاً للإمام الحسين الله في أيام زيارة الاربعين فقد كانت له خدمة في (موكب علي الأكبر) في الناصرية الذي ينطلق من مسجد الإمام موسى الكاظم الله في منطقة السكك، وكذلك له خدمة في كربلاء في منطقة البوبيات في موكب قطيع الكفين ( لأهالي الناصرية يخدم فيه ويرحب بالزوار ويحرص على تعليمهم القراءة الصحيحة لسورتي الفاتحة والتوحيد .
وفي زمن صدور فتوى الدفاع الكفائي فقد عاد له الامل الذي كان يشغل باله منذ سنوات، فما ان سمع بها إلا انطلق مبادراً الى صفوف المجاهدين ، فكان صعوده الاول في معسكر اشرف في ديالى الذي كان يتدرب فيه المجاهدون وكان يجاهد هناك بنفسه وعند عودته الى اهله في اجازته واستراحته يقوم بجمع التبرعات ، يخرج طلباً لذلك من الصباح الى الليل لجمع المدد والعوان للمجاهدين حتى أن أحد اخوته راه بهذه الحالة فأشفق عليه فقال له: انت في استراحة وهذا حالك استراح قلل من عملك . فأجابه قائلا : (لا تقل ذلك بل قل لي كثر من عملك وشغلك ) ، فقد عمل هو ومجموعة من ابناء المنطقة على فتح فرن للمعجنات يعمل على امداد المقاتلين بها في جبهات القتال ، فقد كان يولى هذا الجانب اهتماماً كبيراً حتى ان اخاه الاكبر كان يعمل معه في جمع التبرعات يقول في يوم جاء احد المتبرعين بألف دينار يقول أنا استقللت ذلك، فقال لي : (لا تستصغر ذلك خذ الالف ، فإذا كان الألف خالصاً لوجه الله أجره وبركته أعظم من كثير من الاموال.
شارك الشهيد في معارك كثيرة منها معركة سد العظيم، ومعارك المقدادية، وفي تلال حمرين، وفي معركة تحرير تكريت واستقر أخيرا قرب حقول علاس في منطقة الفتحة، وتعرض هو وجماعته الى هجوم مباغت شديد من قبل الدواعش فقال له رفاقه نرجع الى الوراء ونأخذ موضع الدفاع، فأجابه بالرفض قائلا: (نحن نوصي للمجاهدين في الرخاء بالثبات، ونحثهم على الجهاد وفضله وفضل الشهادة ونحن الآن نتراجع أبداً لا يكون ذلك ) ، فوقف مدافعاً في مكانه حتى استشهد بوابل الرصاص حيث اصابه قناص برأسه فخرصريعاً شهيدا بتاريخ ( ٤/٥ / ٢٠١٥م) في تلال حمرين منطقة الفتحة.
أوصى أخوته بوصايا عدة ، منها :
أوصاهم بأن يحضروا مآتم الشهداء، ويصلوا عوائلهم ؛ لانهم أمانة في أعناقنا .
كما أوصى أخاه الاكبر عند استشهاده بعدم اطلاق العيارات النارية قائلا له: ( لئلا نكون مصداقا لقوله تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) !
فمثل ما امرتنا المرجعية بالجهاد ولبينا الواجب والنداء، كذلك المرجعية قالت لنا اطلاق العيارات النارية حرام، وانت مسؤول عن ذلك، يقول قلت له: أما نحن ممكن أن نمتنع لكن كيف يكون ذلك لباقي الناس
إذا كان الشخص يخرج من بيته ويطلق العيارات النارية، فهل أجعل على كل بيت شرطياً؟ اجابه قائلا: (لا بل وظيفتك تذهب الى مساجد وحسينيات المنطقة وتصيح بأعلى صوتك أخواني الشيخ أبو مصطفى أوصى ويقول حرام ومشكول الذمة، واقف يوم القيامة احاسبه أمام الله كل من يرمي ويطلق الرصاص، بعدها أنت تكون قد أديت تكليفك والوصية، فعلا لم تطلق العيارات النارية) ونفذت وصيته وشيع تشيعاً مهيباً يليق بشأنه.