الشهداء أمراء الجنة.. الشهيد السعيد الشيخ ضياء الغزي
2026/07/01
ولد الشهيد في العاصمة بغداد عام ۱۹۸۲م، دخل المدرسة الابتدائية ثم المتوسطة ليترك بعدها الدراسة لبعض الظروف، ولعل منها رغبت في دخول الحوزة العلمية، لكنه لم يحصل على الفرصة المناسبة في بادئ الأمر لأن توجهه الديني كان سبباً في ملاحقته من قبل البعث الصدامي، وفي عام ٢٠٠١م قرر الهجرة من العراق بسبب تلك الملاحقة، فهاجر الى سوريا ثم الى لبنان، وبقي هناك لحين سقوط الطاغية عام ٢٠٠٣م، ثم عاد ليعد نفسه ويصقل شخصيته أكثر ليكون من رجال الله، ليذيق أعداء الدين شدة بأسه، فقد كان شجاعاً لا تأخذه في الله لومة لائم، ومن مواقفه الشجاعة التي تستحق أن تُذكر، هو أن تنظيم القاعدة بعد أن كان يهيمن على بعض مناطق العاصمة في مدة من الزمن بعد سقوط البعث والانفلات الأمني الذي حصل، ومنها منطقة اللطيفية، قام الشيخ ضياء وبعض الشباب المؤمن بنصب موكب حسيني هناك موكب (دمعة رقية) لخدمة زوار الإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعين، متحدين بذلك قوى الشر، وفي نفس الوقت دعماً للمسيرة الحسينية، لأن تلك المنطقة تقع ضمن طريق الزائرين، وبقي الموكب قائماً الى يومنا هذا، فكان يمتلك من المواقف الشجاعة ما يشهد له بها القريب والبعيد ممن عرفه، وبعد انتهاء هيمنة الإرهاب على تلك المناطق بادر بنفسه بفتح المساجد والحسينيات المغلقة بسبب الإرهاب، سواء كانت هذه الأماكن العبادية تعود الى أتباع أهل البيت أو إلى أهل السنة. الشيخ ضياء الدروس الحوزوية في بغداد، وكان من أبرز أساتذته الشيخ كاظم الغزي، الذي درس على يده النحو.
لم تخل مسيرة الشيخ من الجانب الإنساني بل كان من أبرز اهتماماته، فكان يتفقد العوائل المتعففة والفقراء والأيتام، وأغلب عمله كان بالسر، ويكتفي بالقول: أنا عملي الله ولا داعي أن يعرفه الناس، عاش محبوباً من لدن الجميع، ساعياً لفعل الخير ولإصلاح ذات البين وحل النزاعات العشائرية.
عندما أصدرت المرجعية الدينية العليا فتوى الدفاع الكفائي كان متهيئاً وحاضراً بكل قوة، إذ كان أول انطلاقه الى ديالى، وقدم فيها أروع البطولات، ثم توالت المشاركات الى الإسحاقي ومنها الى آمر لي، وكان في كل معركة يخوضها يفقد بعض أعزّته من الأصدقاء، يسقطون أمامه شهداء، وعندما يعود في إجازاته الى البيت يجلس ويبكي، ويقول: أعلم أنني لم أنظف من الذنوب بعد، فقد استشهد فلان وفلان وفلان وأنا الى الآن لم أستشهد، فكان ينتظر الشهادة بكل شوق، له عدة مواقف بطولية، حيث كان وجوده بجانب إخوته المجاهدين يعطيهم حافزاً كبيراً أثناء القتال، ويُذكر أنه كان يعتلي الساتر ويصيح بأعلى صوته (يا زهراء)، يسأله بعض أصدقاءه عن سبب فعل ذلك فكان يجيب: إن هذا الاسم يغيض النواصب، فأحب أن أغيظهم قبل الالتحاق الأخير جاء بابنته (زينب) ووضعها في حجر والدته، وقد اعتاد أن يترك بنته الصغيرة عند جدتها عند ذهابه الى ساحات الجهاد، وفي هذه المرة شعرت أمه بإحساس غريب وكأنها لن تراه بعد هذه اللحظة، وبعد أن ودعها وخرج الى السيارة التي كانت بانتظاره، قامت وراءه مسرعةً علها تحظى بنظرة أخرى لولدها قبل رحيله فالتفت خلفه فوجد أمه تنظر اليه فأخذت دموعه تنزل على خديه بغزارة، وقد آلمه ذلك المنظر، لأنه يعلم أن قلب والدته سوف يُكسر بفراقها إياه بعد وقت قصير، كان ذلك الالتحاق الى مدينة سامراء، وكان المجاهدون يعدون العدة للإغارة على العدو، وفي ليلة الهجوم دخل الشيخ على المجاهدين وطلب منهم براءة الذمة، وقال لهم هذا اليوم سيكون آخر يوم أقضيه معكم، لأني رأيت سيدي ومولاي أمير المؤمنين الله في عالم الرؤيا وقد أعطاني صك الشهادة وقام بالإمضاء عليه، وهذه علامة تنبئ بقرب استشهادي، ثم اتصل بأهله وودعهم قبل دخول ساعة الهجوم، ثم بدأ الهجوم في الساعة ٢:٣٠ بعد منتصف الليل، وأثناء التقدم وبعد أقل من ساعة انفجر أحد البيوت المفخخة على ثلة من المجاهدين، وبعد انجلاء الغبرة تبيَّن أن الشيخ ضياء قد استشهد أثر شظايا اصابته في منطقة الرأس، وهذه الطريقة من الاستشهاد كان يتمناها الشهيد، حيث كان يحب أن يستشهد وتكون الإصابة في رأسه، وكان تاريخ شهادته ٢٠١٥/٨/٢٢م، قرب خط اللاين في مدينة سامراء.
هنيئاً لمن عشق الشهادة ووضعها نصب عينيه، فإن ذلك هو حب لقاء الله على أفضل وجه، ويعد ذلك من صفات المتقين، وقد قال فيهم أمير المؤمنين في خطبة له، وهي خطبة المتقيني: "ولولا الأجل الذي كتب لهم، لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب".
___________________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص 60 -62.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي