الشهداء أمراء الجنة.. الشهيد السعيد الشيخ عبد الغفار المنصوري
2026/05/30
الشهيد الشيخ عبد الغفار نوري جناح المنصوري من مواليد البصرة ١٩٦٧م في قضاء المدينة ناحية الإمام الصادق متزوج وله ستة أبناء.
نشأ الشهيد نشأة دينية حيث ترعرع في مجتمع ريفي تطغى عليه صبغة البساطة والصفاء فهو ابن الحاج نوري جناح المنصوري الذي كان وجيها في قومه فقد كان معروفا بحل النزاعات كما كان موصوفاً بالجود وعمل المعروف ووصلة الرحم والاتزان وسداد الرأي حتى أن أهل المنطقة يصفونه بصاحب الصمت الطويل إذا حضر في الديوان يستمع الى رأي الموجودين بعدها يعطي رأيه، فهذا والده فاستقا من خلقه وترعرع في كنفه ورعايته، فهو ابن ذلك الفلاح الذي كان أكله من كد يده وعرق جبينه لا يشوبه الشبهة واللبس فنشأ نقي البدن طاهر الروح ملتزما دينيا منذ نعومة أظفاره معروفا بتدينه والتزامه.
درس الابتدائية في مدرسة الجهاد في القضاء ثم تدرج في تعليمه الأكاديمي الى المتوسطة في ثانوية العزم فأكمل الصف الثالث المتوسط بعدها حالت الظروف دون إكمال دراسته فدخل السلك العسكري (معهد التدريب العسكري الى زمن الانتفاضة الشعبانية.
كان الشهيد محباً للعلم ودراسة العلوم الدينية ويأمل في الدخول الى الحوزة العلمية وما ان وجد فرصة حتى التحق بركبها ، وبعد سقوط نظام صدام دخل في حوزة الرسول الأعظم في قضاء المدينة وأكمل المقدمات فيها وشيئاً من السطوح على يد مجموعة من الاساتذة والمشايخ من طلبة العلوم الدينية وهاجر الى النجف الاشرف عام ۲۰۰۸م واستقر في مدرسة القوام مدة من الزمن بعدها اصطحب عائلته لمواصلة طلبه للعلوم الدينية ، واستمر بالدراسة هناك على ايدي اساتذة اكفاء الى وقت صدور فتوى الدفاع الكفائي ،حضر درس الكفاية عند الشيخ عمار الخزعلي، والشيخ حسين البهادلي ووصل الى البحث الخارج ولم يدخله لأنه كان يقول (أريد أن أكون شهيداً لا مجتهداً) ، وقد لبس الزي الحوزوي (العمة) على يد الشيخ باقر الايرواني في سنة ٢٠١٣م. مارس الشهيد التبليغ الديني في محافظة البصرة ومحافظة النجف، فقد كان يقيم الدورات الصيفية، وكان إمام مسجد الزهراء عليه السلام الذي سعى في تشييده في البصرة بعد إن كان حسينية صغيرة في حياة والده، وكان لا تمر عليه مناسبة إلا تقام في هذا الجامع وكان الشهيد هو من يخدم ويسقي الماء بيده، كما أسس موكب المصطفى في عام ٢٠٠٣م ليكون بعدها مؤسسة لمساعدة الأيتام والفقراء.
وكان الشهيد على صلة برجال الدين ففي شبابه كان رحمه الله هو من يتولى مهمة إحضار الخطيب في أيام العزاء من قضاء المدينة؛ لذا كان راعيا ومشجعاً للمبتدئين من طلبة العلوم الدينية خصوصاً على ارتقى المنبر الحسيني ويذكر أنه في يوم من الأيام في إحدى المجالس الحسينية تأخر الخطيب وكان فيها أحد الطلبة فقام إليه وألقى بعباءته عليه وقال له أنت الآن خطيب قم واعتل المنبر، وهو الآن خطيب منبري وأحد فضلاء الحوزة. كان ساعياً ومتفانياً في أحياء أمر أهل البيت في الثمانينيات من القرن المنصرم مع صعوبة أمر الإحياء وقلة الإمكانات من الصوتيات وغيرها فقد كان الشهيد لديه جهاز مكبر للصوت وما أن يسمع أ أن هناك مجلس عقد لأهل البيت إلا وقصده وتولى ذلك من اصلاحه وتهيئته ونقله من حسينية إلى أخرى ومن مجلس إلى آخر، وكان يعمل على كل ما من شأنه خدمة الإمام الحسين كان باذلا ماله في خدمة أهل البيت بذل وصرف من لا يخشى الفقر.
وفي زيارة الأربعين كان رحمه الله يقصد طريق الزائرين السائرين إلى كربلاء ويصحب معه عدة من العجلات من اجل استضافتهم وخدمتهم من المبيت والطعام والشراب، وما أن ينتهي الزحف الحسيني حتى يتوجه زائراً مشيا على الأقدام إلى مهوى قلوب المؤمنين هذا حاله بعد سقوط النظام أما قبله فقد كان يزور الإمام الحسين مشياً رغم ان الشهيد كان مراقباً من لدن البعثيين لكن كان لما يأتي موسم الزيارة يأخذ طريق البساتين والنخيل حتى ان الشهيد رحمه الله في إحدى المرات لما رجع من الزيارة رجع ورجلاه قد تورمتا وتجري منهما الدماء فسئل عن ذلك فقال هذه الأشواك أثناء المشي ليلاً.
كان عابدا ورعاً زاهداً ، مقيما الصلاة حريصاً على أقامتها في وقتها ، يحيي الليل بالصلاة والدعاء. من مظاهر عباداته انه كان دائم الصيام تطوعاً بل حتى في وقت استشهاده كان صائماً قضاء عن شهر رمضان طلب منه بعض المؤمنين ان يصوم نيابة عن أحد امواته فلبي ذلك تطوعاً من دون أجر مادي، وآخر يكلفه بقراءة ختمة قرأنية مجانا كذلك.
ومن مظاهر عبادته وسلوكه الإيماني : انه رحمه الله جعل من بيته مأذنة يرفع منها الأذان منذ أيام الثمانينات القرن المنصرم والى أيام استشهاده ، وعند انتقاله إلى النجف الاشرف نقل مأذنته إلى بيته في النجف، كما جعل من بيته محلا تحل فيه الزوار من أهل منطقته، فكان ما ان سمع ان احدا من اهل المنطقة جاء للزيارة ألا وقصده وان علم ان احدهم قصد فندقاً إلا وبحث عنه واستضافه.
من مظاهر رعايته الفقراء واهتمامه بهم في يوم من الأيام طلب من أحد أصدقائه أن يجلب له صلاة أو صوم استئجارا من اجل مساعدة أحد الشباب بمبلغ من المال من اجل ان تجعل له عين اصطناعية خارج العراق.
هذا ديدنه خصوصاً بعد ما التحق بالحوزة العلمية فكان ينظر الى كل محتاج في المنطقة، ما يألوا جهداً في مساعدة فقير أو إسعاف مريض، ومسارعا الى فضّ نزاعات أهل المنطقة وإصلاح ذات بينهم، بتكليف منهم أو بتدخل شخصي منه. كان الشهيد معطاء في كل الجوانب حياته بجهده وبماله فكان مصداقاً لقوله تعالى ((وجعلني مباركا أينما كنت)) كان أينما يحل تحل معه البركة والعطاء، لأنه كان باذلا منفعته لأخوته المؤمنين من دون مقابل بل تجده المبادر الى ذلك بتطوع من نفسه، فقد كان كهربائيا وبناء ونجارا. كان يتحمل العناء في سبيل قضاء حوائج الناس، كان في الصيف الحار تراه يصلح أو يشد سلكاً كهربائياً لجاره أو لصديقه تطوعاً مع العلم انه كان صائماً، حتى أن احد المشايخ حين استشهاده طلب منه أن ينعاه بأبيات فقالوا له هل تعرف الشهيد قال وكيف لا اعرفه وهو الذي أسدى إلي معروفاً لم أنسه فهو الذي بني لي بيتي، وفي يوم من الأيام رأى أحدهم الشهيد مسرعاً فسأله فقال ذاهب الى بيت احد المشايخ لتأسيس كهرباء بيته، كان يقصد جاره الباكستاني ليصلح له حاجته وآخر يسدي إليه خدمة بدون ملل، لذا حينما استشهد تلقاه أهل منطقته ومنهم الباكستانيين بالبكاء والنحيب، والنساء تبكي وتندب (راح أبو الغيرة).
أما حياته الجهادية فقد كان من المجاهدين الذين قارعوا النظام البعثي فقد كان من ضمن المجاهدين الذين اشتركوا في الانتفاضة الشعبانية فرصدته عيون النظام وقد تعرض على اثرها الى المطاردة والمسألة وترك وظيفته ووصلت به الملاحقات الامنية لجلاوزة النظام ان يبع مكتبته من أجل الحفاظ على نفسه من التقارير والوشايات واستمر في جهاده حتى جاءت الفتوى الخالدة من المرجعية العليا في النجف الاشرف فما أن سمع بها إلا وقد سارع في الانخراط في الصفوف الاولى التي تشكلت من طلبة العلم في النجف وكربلاء ضمن هيئة الارشاد والتعبئة لتوعية المجاهدين ورفع روح العزيمة والثبات في نفوسهم ، ولم يقتصر على واجبه الارشادي بل حمل السلاح وكان مقاتلا في صفوف المجاهدين ، ويتفقد المجاهدين في مواضعهم ونقاط توجدهم لسد احتياجاتهم ، كما أن الشهيد عامل مساعد على تحشيد المنطقة في تلبية الفتوى الجهادية ، فهبت المنطقة كلها للجهاد وكان مقرها في بيته في النجف الاشرف.
شارك في معارك تحرير :( سامراء ، والعوجة، وآخرها الساحل الأيمن من الموصل قرية السحاجي) كان ينزل إلى المعركة بعمامته متقدماً يحفز بقية المجاهدين، حتى انه كان يقول لأحد المشايخ عند الهجوم (تعال صير خلفي) يقول له لماذا؟ يقول بما نصه : ( أنت عندك أم وهي مريضة بحاجة لك وانا ما عندي أم، وان لحيتي صار بيها بياض اشكد اعيش بعد أريد اختمها بالشهادة، فكان رحمه الله باذلا نفسه في سبيل الله ومؤثرا بها على غيره طالباً وموطنا نفسه على للشهادة، فحقق الله له ما كان يتمناه ويرجاه عند مشاركته الأخيرة في تحرير منطقة السحاجي وذلك بعدما خاضوا معركة عنيفة وحرروا نصف المنطقة جاءهم أمرا بتوقف التقدم والزحف وبينما هم في فرحة النصر وزهوة الغلبة وكلهم مجتمعين وأراد المشايخ أن يأخذوا استراحة عند احد البيوت المحررة وإذا قبالة ذلك البيت تخرج سيارة مفخخة متوجهة عليهم فعالجوها فلم يوقفها شيء إلا برج قديم فانفجرت السيارة فأدت الى استشهاده وكذلك استشهاد الشيخ رضا المياحي والشيخ طعمة بتاريخ ۲۰/ ٢ / ٢٠١٧ م يوم الاثنين الساعة العاشرة صباحا. كان خير استشهاده مؤلماً على اهله واقربائه واهل منطقته فلذا كان يوم وصول جثمانه الى منطقته عبارة عن استنفار جماهيري الكل هبت لاستقباله خرجت نساء ورجال والصبية والشبان وهم يندبونه بحسرة وألم والنساء تلطم على رؤوسها، فشيع من بيته الى مرقد احمد بن علي واقيم له تشيع آخر من العتبة العلوية انطلق من محل سكناه في النجف خرج خلف جنازته جمع من طلبة العلوم الدينية العراقيين والباكستانيين من أصدقاءه وأساتذته وجميع أهل محلته إلى الحسينية الأعسمية ومنها إلى مرقد الإمام علي ، وصلى عليه آية الله الشيخ باقر الايرواني.
اوصى الشهيد اولاده واهله بتقوى الله وان يسيروا على نهج الامام الحسين (عليه السلام) وأوصى أخاه الأكبر بجمع شتات المنطقة ولم شملهم وحل مشاكلهم، وان يشيع جثمانه في البصرة.
واليوم ولده الأكبر (عبد الكريم) يكمل دربه في صفوف المجاهدين وله كلمة بعد استشهاد والده قال: "نحن فخورون جداً به ونحن سائرون على الحق وطريق الإمام الحسين له وباقون على نهج الوالد ولم تزحزح عقيدتنا أبدا لأننا على طريق الإمام الحسين وقد كان كلما استشهد أحد من أهل بيته ازداد وجهه نورا وإشراقا، ونحن بشهادة الوالد نزداد عزماً وإصرارا على السير في هذا الدرب".
_________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص 42 -46.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي