أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهداء أمراء الجنة.. الشهيد الشيخ غزوان الزيدي
2026/06/02
ولد الشهيد غزوان هاشم صكبان مكي الزيدي في العاصمة بغداد في منطقة البلديات عام ۱۹۹۱م، نشأ وترعرع في عائلة مؤمنة موالية حافظت على سلامة فطرته، وربته على كل ما هو نبيل وحسن، وبعد أ عد أن أخذ عوده يقوى بانت ثمار تلك التربية، وقد آتت أكلها وأصبحت شخصيته محطاً لأنظار من حوله، وذلك لما يحمله من صفات حميدة كرفعة الخلق والتواضع والغيرة ومساعدة المحتاجين وإصلاح ذات البين والعلم والعمل.
درس الابتدائية وكان من الطلاب المتميزين، وفي تلك المدة أدخله والده في إحدى الدورات الدينية للأطفال، في جامع العباس الله الذي يقع في سوق (عريبة) ، ومنذ ذلك الحين تعلق قلبه بأهل البيت وبعلومهم، وبعد أن أكمل الدراسة المتوسطة بدأ يفكر بالانخراط في صفوف الحوزة العلمية، وفعلاً توفق في هذا الأمر، ودخل في حوزة النجف الأشرف، وكان ذلك اليوم من أسعد أيام حياته، كما كتب ذلك في مذكراته، أخذ يواصل دراسته الأكاديمية الى جانب الدراسة الدينية، حتى أكمل المرحلة الإعدادية وتم قبوله في الجامعة المستنصرية في كلية التربية الأساسية بقسم اللغة العربية، وفي نفس الوقت كان مثابراً مجداً في دراسته الدينية، حتى أطلق عليه في الوسط الحوزوي لقب (الفقيه) رغم صغر سنه، وذلك لشدة ذكائه وإحاطته بالمسائل الفقهية، وقد قُلد عمامته الشريفة وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاماً، ومن الجدير بالذكر أن الشهيد ولشدة حبه بمطالعة الكتب واستقاء العلم كان يشتري الكتب من قوت يومه، وما كان يحمل هم المعيشة، لأنه يعلم أن الرزق بيد الله.
عندما دخل الى الوسط الجامعي أحدث هناك تغيراً ملحوظاً في نفوس عدد من الطلبة، لأنه كان رجل إصلاح مؤثراً بغيره بأسلوبه وطريقة كلامه، وقد طلب من إدارة الجامعة تخصيص مكاناً يكون مصلى للطلاب وقد استجابت الجامعة لرغبته، وفي المرحلة الثانية من دراسته الجامعية وفقه الله لإحراز نصف دينه بالزواج من امرأة متدينة، وقد رزقه الله منها ولدين هما (وارث وعلي المرتضى والأخير ولد قبل استشهاده بشهر تقريباً، أكمل مرحلة السطوح في الدراسة الحوزوية، وأكمل دراسته الجامعية بتفوق كعادته، وكان له طموح أن يكمل دراسة الماجستير، وقد بادر بالتقديم على الماجستير لكن لظروف البلد ودخول عصابات داعش وأُطلاق فتوى الدفاع الكفائي، جاء لوالده ليخبره بأن الجبهة بحاجة اليه، فقال له والده: وماذا عن دراستك يا ولدي ؟ فأجابه: الجهاد أولاً ثم العلم، فالتحق بجبهات الشرف يحمل معه إيماناً صلباً وقلباً شجاعاً كزبر الحديد، فكانت أولى مشاركاته في جرف النصر، وكان يتقدم المجاهدين في كل المعارك، وقد عُيّن معاوناً لأمر لواء ضمن فصيله، لما وجدوا فيه من الشجاعة والخبرة في القتال، ثم انتقل الى معارك سامراء وشارك في عدد منها الى أن اختاره الله ليكون في جواره، وفي يوم السبت الموافق ٢٠١٤/١١/٨م كُلف الشيخ الزيدي بجوله استطلاعية على بعض القرى المحيطة بمقر اللواء في منطقة الإسحاقي ليتم جمع معلومات عن تحركات العدو، فذهب ومعه ثلاثة مجاهدين بسيارة تحمل سلاح أحادية، وفي الطريق قام الشيخ بتفكيك قرابة عشر عبوات ناسفة كانت مزروعة على جانب الطريق، وبعد اتمامه مهمَّة الاستطلاع رام الرجوع، وفي أثناء عودته نصب لهم العدو كميناً، وقد أحسوا بذلك الكمين لكن لابد لهم من مجابهته، فقام العدو بإطلاق النار عليهم بكثافه فانحرفت السيارة التي يستقلونها عن مسارها وسقطت في نهر الإسحاقي فتمكن من كان مع الشيخ من عبور النهر سباحة والنجاة من ذلك الكمين، لكن الشيخ صعد على سقف السيارة وقاتل العدو ببندقيته وقتل منهم، الى أن تلقى رصاصة في جبهته الشريفة وأربع رصاصات في صدره وبطنه، وقد سقط شهيداً في نهر الإسحاقي، وبقي جثمانه الطاهر ثلاثة عشر يوماً داخل الماء، الى أن تمكن المجاهدون من الوصول اليه بعد معارك طاحنة عقبت ذلك، وقد كان والد الشهيد قلقاً من المنظر الذي سيجد فيه ولده، كونه بقي كل هذه المدة في الماء، لكنه تفاجأ بعد أن رآه وكأنه استشهد للتو، وهذه تعد كرامة للشهيد رحمه الله، فتم تشييع الشهيد تشييعاً مهيباً سواء في منطقته أو في النجف الأشرف، لينقل بعدها الى مثواه الأخير في مقبرة وادي السلام بجوار سيد الأوصياء أمير المؤمنين .
هذا ما كان يتمناه الشهيد بأن يستشهد مواجهة مع العدو، لأنه كان يحاذر من الوقوع أسيراً بيد الأعداء، حتى أنه كان دائماً يحمل في جيبه رمانة يدوية، ولا يتركها ما دام في سوح القتال، فيسأله زملائه عن سبب ذلك، فيجيبهم: لا أريد أن أقع أسيراً بيد العدو، فربما تنفذ ذخيرة سلاحي وأضطر لاستخدامها عليَّ وعلى الأعداء، رحم الله شهيدنا الغالي وتغمده بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته إنه سميع مجيب الدعاء.
_________________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص 47 -49.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي
صور من الخبر