أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهداء أمراء الجنة... السيد جعفر اسماعيل الموسوي
2026/06/07
ولد الشهيد السعيد جعفر اسماعيل الموسوي عام ۱۹۷۷م، في محافظة كركوك قرية البشير متزوج، وله اربعة أبناء وهو من عائلة تفخر بتقديم القرابين الله تعالى فقد قدّمت ابنها الاكبر ايام الانتفاضة الشعبانية وهو الشهيد السيد حقي الموسوي مما عرضها لكثير من المضايقات والاضطهادات ورصد الاجهزة الامنية لتحركات ابنائها.
تدرّج الشهيد في تعليمه الاكاديمي حتى قبل في كلية الضباط، لكن والده منعه من الاستمرار فيها فتركها بعد سنتين من الدراسة وتوجه الى كلية الشريعة، وهنا بدأت مأساة اخرى للشهيد فقد واجه استاذاً بصبغة طائفية مقيتة لم يتعامل معه بمهنية الاستاذ مع الطالب بل بطائفيته المقيتة وكان سببا في بقاءه في مرحلته لمدة سنتين، وعندما استفسر منه السيد عن سبب هذا التصرف اجاب وبدون تردد لان اسمك « جعفر» فانت لا تستحق النجاح عندي وحصلت مشادة كلامية جرّت الى شجار على اثره ترك شهيدنا كلية الشريعة والتحق بأحد المعاهد الاسلامية في كركوك وتخرج منه، ثم التحق بالمعهد التقني في كركوك - ايضا- قسم الادارة القانونية.
كانت عائلة السيد تعمل بالزراعة، وكان هو يعتني بالأرض ويعمرها، فضلا عن كونه رادوداً حسينياً بارعاً لا ينفك عن ذكر أهل البيت يلهج بذكرهم في كل محفل بل اين ما يحل ويرتحل دائم الذكر لمناقبهم ومظلوميتهم لشدة تعلقه بهم وله بدعبل الخزاعي وميثم التمار اسوة حسنة ، ولكونه رادوداً حسينياً ومداحا يصدح بذكر أهل البيت فقد كان دائم التواصل بالعلماء متأثرا بمسلكهم لذا اختار طريق العلم والمعرفة على نهج اهل البيت سلام الله عليهم وقد كان للسيد قنبر الموسوي - احد ارحام الشهيد- تأثيراً كبير عليه في اختياره هذا الطريق المبارك فدخل الحوزة العلمية في النجف الاشرف عام ۲۰۰۸ م ، وتدرّج في هذا العلم المبارك واكمل المقدمات وبدأ دراسة المكاسب والكفاية وكانت طموحاته كبيرة كهمته العالية في تحصيل العلوم ولبس لباس العلماء على يد المرجع الاعلى اية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله وكان ذلك عام ٢٠١٣م وكانت بدايته الحوزوية في مدرسة الامام موسى الكاظم التابعة لمكتب اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله وتلقى علومه عند السيد عبد الكريم الموسوي والشيخ علي مردان التركماني والسيد علي من اهالي ديالى.
مارس الشهيد رضوان الله عليه تدريس المقدمات وكان مبلغاً قبل دخوله الحوزة العلمية فقد كان -كما ذكرنا سلفاً ناعياً ومداحا وخادماً لأهل البيت منذ نعومة اظفاره، وعند دخوله الحوزة اخذ الدرس جل اهتمامه فكان شغله الشاغل.
وعلى اعتبار أن السيد يجيد اللغة التركمانية فقد توجه بتكليف من مكتب اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم للتبليغ في تركيا فكان لسانا لأهل البيت هناك ينقل إليهم الاحكام الشرعية الحقة، ويعرفهم بسير اهل البيت وبأخلاقهم.
واذا اردنا ان نتطرق الى سيرة الشهيد الاجتماعية فالحديث يطول كثيراً لكننا نكتفي بذكر لمحات وشذرات من هذه السيرة العطرة لذلك الشهيد الكبير في عطائه ومن مختلف جوانب حياته المفعمة بالخير والعطاء، فعندما تذكر السيد جعفر اسماعيل الموسوي ترى اغلب من يعيش في شمال البلد، فضلاً عن طلبة النجف الاشرف يعرف هذا الاسم وخصوصا طبقة الشباب لما تركه من تأثير في النفوس، فقد كان اجتماعياً مسامحاً بشوشاً رؤوفاً رحيماً في تعامله مع الاخرين مواصلاً من قطعه من ارحامه متميزاً بدوره الكبير في مساعدة المحتاجين بحسب إمكاناته لذلك تتجلى فيه صفات المؤمنين حتى سمي صاحب القلب الكبير . ولعلاقته باهل البيت وبالمولى ابي عبد الله الحسين الحديث يطول فهو حديث العشق الحسيني إذ كانت علاقة مميزة بكل ما يعنيه اللفظ من معنى، كان ينتقل من مكان إلى آخر لذكر فضائلهم وبيان مظلوميتهم، وله قصة مع الامام الحسين (عليه السلام)، اذ تمرض ولم يستطع الحديث ومنعه الطبيب من القراءة لكنه دعا من الله وتوسل بالإمام ان يعينه على هذا المرض فاستجاب الله له ذلك وشفي من مرضه واستمر بذكر فضائل ومظلومية أهل البيت ومظلوميتهم ببركة الامام الحسين (عليه السلام).
عند صدور فتوى المرجع الاعلى بضرورة الدفاع عن الوطن والعقيدة والمقدسات كان الشهيد رضوان الله عليه في تركيا لغرض التبليغ، وعند سماع الفتوى اراد الشهيد الرجوع الى النجف سريعاً للالتحاق بالمجاهدين ولم تكن هناك طائرة متوجهة إلى النجف الاشرف، فاضطر للذهاب الى لبنان ومن لبنان الى اربيل ومن اربيل توجه بالسيارة الى كركوك للاطمئنان على والدته واخوته وثم الى مطار النجف الاشرف. التحق بقرية البشير المنكوبة ذات الاغلبية الشيعية التركمانية التي سقطت بيد داعش وكانت بداية ايام الجهاد ودخل السيد الشهيد مع مجموعة من المجاهدين الى قرية محاذية لقرية البشير وهي قرية الشمسية وكانت الامكانات وقتها بسيطة فوجدوا انفسهم محاصرون وباغتهم العدو ونصب لهم كميناً فاستشهد رضوان الله عليه هناك وبقي جثمانه الطاهر في ارض المعركة مدة تسعة اشهر وهي اول معركة بعد صدور الفتوى في هذه القرية وكانت شهادته في ۳۰ شعبان ٢٠١٤م ، فكان نبأ استشهاده صادماً لأهله ولمحبيه، وكان عالماً بمصيره فقد اوصى والدته المتعلقة به كثيراً بان لا تبكي ولا تذرف الدموع على فقده، فالتزمت هذه المرأة الطاهرة بوصية ولدها البار ولم تبك على فقده فكانت تحبس الآهات واللوعات في قلبها الكبير ، لكنها لم تطق صبراً بعدما وجد ما تبقى من جسده الطاهر بعد تسعة اشهر فانهارت بالبكاء على قبره الشريف، ولم تبق بعده طويلا .
ما أكثر مواقفك النبيلة يا سيد جعفر، واخرها عندما ختمت حياتك بالشهادة وانت تنادي "أدركني يا علي" وكأنك تريد ان تسمع العالم باسره وتقول: "ما دمنا مع علي فلا يمكن ان نهزم ابدا"، لان علي يعني النصر والفوز الابدي رحمك الله وسلام عليك في الخالدين.
___________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص 50 -52.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي
صور من الخبر