الشهداء أمراء الجنة.. الشهيد السعيد الشيخ جعفر المظفر
2026/06/14
ولد الشيخ جعفر عبد الكاظم المظفر رحمه الله في مدينة البصرة عام ۱۹۷۰ م ، وينحدر من أسرة المظفر العلمية المعروفة، فعاش في كنف اسرة ولائية محبة للعلم والعلماء وعُرف منذ نعومة اظفاره بنبل الاخلاق، وكان السخاء من صفاته البارزة التي لازمته طيلة حياته. التحق بالحوزة العلمية في النجف الاشرف عام ۱۹۹۸م، كانت له اهتمامات دينية وعلمية قبل هذا التاريخ لكونه من اسرة علمية كما ذكرنا.
السطوح على يد استاذه السيد احمد الأشكوري في الحسينية الأعسمية ، ودخل البحث الخارج وتلقى علومه عند اية الله الشيخ باقر الإيرواني، وكان مثالاً يحتذى به عند طلبة العلوم الدينية وغيرهم من فئات المجتمع وكان ملازماً لدرسه واستاذه.
لديه كثير من التقريرات فضلاً عن رغبته الشديدة بمطالعة كتب الاخلاق والتاريخ واهتمامه الكبير بدروس الحوزة كالفقه والاصول والعقائد .. ينقل صهر الشهيد الشيخ «حسين» جانباً من سجاياه قائلاً:
ان الشهيد الشيخ جعفر المظفر كان كثيراً يهتم بقضاء حوائج الاخرين، ولضيق الحال كثيراً ما يضطر لان يستأجر نفسه لقضاء العبادات نيابة ليقضي بها حاجة اخوانه المؤمنين، ويضيف «لم يكن الشيخ جعفر مهتماً بالسمعة والرئاسة بل كان عمله مخلصا يعمل الله بصمت وخفاء ويؤثر على من حوله تأثيراً فعالاً بأفعاله قبل اقواله لذا تراه محبوباً لكل من التقى به فضلاً عمن عاشره فكان مصداقاً بارزاً لقول الامام الصادق كونوا دعاة لنا بغير السنتكم.
والمتتبع لسيرة الشهيد الشيخ جعفر المظفر رحمه الله تعالى يلمس جلياً انه كان من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة وهذا ما اكده الشيخ حسين» الذي كان قريباً منه إذ قال: ان الشهيد كان في كل تعاملاته يطبق الموازين الشرعية والسنة النبوية حتى ان علاقته مع اسرته كانت علاقة نابعة من توصيات أهل البيت لشيعتهم، وان مهر بناته كان موافقاً للسنة النبوية الشريفة، وهذا درس عملي اجتماعي مهم يحتذى به في عالمنا اليوم".
وكان معطاء، متواضعاً ورعاً، محتاطاً في دين الله في أصعب مواقفه حتى نراه يستأذن في أن يأكل شيئاً من الخبز» وهو في مواجهة الاعداء وهذه من صفات العارفين بالله الذين لا يبتغون الا رضاه.
اما عبادته فكان الشهيد من المواظبين على صلاة الليل فلم يكن يتركها حتى في أصعب المواقف، ونادراً ما كان يرى غير صائم حتى ان احد مقربيه يذكر قائلاً: «انني كنت اتمنى ان يأتينا الشيخ وهو غير صائم لنحضى بتضييفه وخدمته».
اما علاقته مع القرآن فكانت علاقة مميزة فلم يفارقه لحين شهادته فكان كثير التلاوة للقرآن فلا يترك التلاوة معظم اوقاته، وهكذا كانت علاقته بالإمام الحسين (عليه السلام) الله فكانت علاقة خاصة إذ كان (زوّاراً للإمام الحسين عليه السلام يذهب لزيارة الامام مشياً على الاقدام من النجف الى كربلاء وكانت المسافة التي يقطعها بعضهم بيومين او ثلاثة ايام يقطعها الشيخ بستة ايام؛ لأنه كان يمشي ويقف ليخدم الزائرين عشقاً بالحسين وزوار الامام الحسين عليه السلام).
هيأ الشيخ جعفر نفسه واستعد للجهاد وبقي ينتظر أمر المرجعية بذلك وكان استعداده قبل صدور الفتوى بمدة، وحيث انه كان عارفاً باستخدام السلاح لم يحتج لدخول دورات في معسكرات تدريبية ، علم بصدور فتوى الدفاع وهو يؤدي مناسك العمرة، فالتحق بعد صدور الفتوى بشهرين تقريباً وشارك في معارك بيجي وأصيب فيها ومعارك الصقلاوية والفلوجة والبشير، وكانت الموصل آخر محطاته إذ نال شرف الشهادة مع رفيق دربه بالجهاد الشهيد السعيد السيد عبد الرضا الفياض بتاريخ ٢٠١٦/١٠/٣١ م في معركة منطقة جياع غرب الموصل « بعد ان سطر البطولات في ساحات الجهاد واذاق الاعداء مرارة الذل والهزيمة، وشَحَذَ الهمم بين صفوف المجاهدين ،بهتافاته الحماسية قبل ان يسقط متضرجاً بدم الشهادة برصاصات غدر من أعداء الانسانية والدين استقرت براسه الشامخ وجسده الطاهر .
وشهد جثمانه الطاهر تشييعاً مهيباً في كل من سامراء والكاظمية والنجف الاشرف والبصرة وودعته قوافل المؤمنين وداعاً يليق بالعلماء امثاله ، بعد ان اوصى بوصية عميقة المعاني جاء فيها (اوصي احبائي بتقوى الله تعالى الذي مرجع العباد اليه.
وأوصيهم في الاخلاص في العمل وان لا ينظروا الى كثرة ما عملوا بل الى العمل الذي اخلصوا فيه للباري تعالى واوصيهم ان يطمعوا برضا الله تعالى الذي هو نعيم ما بعده نعيم لقوله تعالى ورضوان من الله اكبر واوصيهم ان يتحابوا فيما بينهم لان الدنيا اصغر من يحمل على اخيه المؤمن شيء او يظن به شيء من اجل حطام الدنيا الزائلة الفانية واوصيهم بذكر الله الا بذكر الله تطمئن القلوب واوصيهم بالتسليم للباري فهو ابصر بما يصلح عباده والاسلام هو التسليم وينبغي ان يكون اخوتي المؤمنون كالماء الصافي يروي العطشان ويطهر من النجاسات وينبت به النبات هذا واستغفر الله لي ولكم ما اروعها واعظمها من وصية. وداعا أيها الشيخ الشهيد لقد غاب جسدك عن محبيك والألم يعتصرهم، لكن الله يعطي الصبر بقدر المصاب، لقد غاب جسدك وبقيت روحك معهم، فأنفاسك ما زالت موجودة وأفعالك مازالت مؤثرة وذكراك الطيب لم يغب، ولم تكن لك امنيات في حياتك الدنيا الا حب الخير للآخرين.
هنيئاً لك شيخ جعفر ختمت حياتك صابراً صائماً محتسباً، عرجت روحك الى الجنان ... فسلام عليك أيها الشهيد.
كنت خفيف المؤونة عظيم المعونة .. فارقت محبيك بابتسامة على شفتيك ويدك على مسبحتك لم تفارقها والأخرى على زناد سلاحك وآخر كلمات تلوتها من كتاب الله فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، وكأنك تقول بدمائنا لا بقاء للمعتدين.
فكنت بحق أحد العظماء الذين خفيت علينا الكثير من مناقبهم، وكنت أحد رجال المرحلة، رغبت في الشهادة ونلتها بكل عز وشموخ، فبقدر فخرنا بك تحترق قلوبنا لفقدك وفقد أمثالك، فرحمك الله وطيب ثراك وسلام عليك مع الخالدين.
_________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص 53 -55.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي