كفوف العطاء : أربعة أيام في المثنى.. سلام المرجعية يصل إلى عوائل الشهداء
2026/08/09
لجنة رعاية عوائل الشهداء والجرحى التابعة لمكتب المرجع الأعلى السيد السيستاني تزور خمسين عائلة في ناحية الكرامة والرميثة والنجمي والوركاء والسماوة
في أيام الفتوى المباركة، التي انطلقت من مدينة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، لم تكن المرجعية الدينية العليا معنية فقط بتوجيه أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الدفاع عن الأرض والمقدسات، بل كانت حاضرة إلى جانب عوائل الشهداء والجرحى، تتابع أحوالهم وتتفقد احتياجاتهم وتواسيهم في مصابهم.
وبينما كان أبناء العراق يقفون في خطوط المواجهة دفاعاً عن الوطن والمقدسات، كانت المرجعية العليا تسير في خط موازٍ من الرعاية والاهتمام، واضعةً عوائل الشهداء والجرحى في صميم مسؤوليتها الاجتماعية والإنسانية.
وفي هذا السياق، باشرت لجنة رعاية عوائل الشهداء والجرحى في محافظة المثنى، المكلفة من مكتب سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، سلسلة زيارات ميدانية لعوائل الشهداء في المحافظة، بدأت يوم السبت غرة ربيع الثاني 1438هـ، واستمرت أربعة أيام متتالية، شملت نحو خمسين عائلة.
كانت المحطة الأولى في ناحية الكرامة، حيث حلّ أعضاء اللجنة ضيوفاً على الشيخ سالم الصفراني، معتمد مكتب سماحة السيد السيستاني في الناحية، قبل أن تنطلق اللجنة برفقته لزيارة عدد من عوائل الشهداء.
ولم تكن الزيارة مجرد لقاء عابر، بل حملت معها رسالة واضحة من المرجعية العليا إلى هذه العوائل، مفادها أن أبناءهم الذين ارتقوا في ساحات الدفاع لم يغيبوا عن الذاكرة، وأن تضحياتهم وعوائلهم موضع رعاية واهتمام.
وقد استقبل ذوو الشهداء أعضاء اللجنة بحفاوة كبيرة، معبرين عن أثر هذه الزيارة في نفوسهم، ومؤكدين أن وصول سلام المرجعية وتعازيها ومواساتها إليهم خفف من وطأة المصاب، ومنحهم مزيداً من الصبر والثبات.
ومن بين القصص التي وثقتها اللجنة خلال جولتها، قصة الشهيد سجاد، الذي كان طالباً في الصف السادس الإعدادي. ويروي والده أن ابنه كان يرغب بشدة في الالتحاق بالمقاتلين، وظل أربعة أيام يتوسل إليه ويقبل يديه ورجليه حتى يسمح له بالمشاركة.
ويقول والده إن صغر سنه جعله مشفقاً عليه، لكنه وافق في نهاية المطاف على ذهابه، ليفارق الشهيد الحياة في اليوم الأول من وصوله إلى مكان المواجهة مع العدو.
وعلى الرغم من ألم الفراق، يرى والد الشهيد في تضحية ابنه مصدر فخر واعتزاز، مؤكداً أنه يحتسبه عند الله تعالى شهيداً، لأنه ضحى بنفسه دفاعاً عن الوطن والمقدسات وتلبية لنداء المرجعية العليا.
وفي اليوم الثاني من ربيع الثاني 1438هـ، الموافق الأول من كانون الثاني 2017، واصلت اللجنة جولتها، وكانت محطتها الثانية قضاء الرميثة وناحية النجمي.
وهناك، التقت اللجنة عدداً من عوائل الشهداء، ووقفت على قصص أبنائهم ومواقفهم في ساحات القتال.
ومن أبرز تلك القصص ما رواه والد الشهيد الرائد الطيار صادق عبد السلام صادق، الذي كان متوجهاً إلى كربلاء خلال زيارة الأربعين، قبل أن يسمع بوجود تعرض على زوار الإمام الحسين (عليه السلام) القادمين من جهة سامراء، فيتطوع للتصدي للمعتدين، رغم أن ذلك لم يكن من واجبه، لينال شرف الشهادة في تلك المواجهة.
ويشير والده إلى أن الشهيد كان من المتميزين بين أقرانه في دورة الطيران، وقد أتيح له العمل في إحدى شركات الطيران المدني براتب مغرٍ وسكن في أربيل، إلا أنه رفض ذلك، واختار طريق المشاركة في الدفاع عن الوطن والمقدسات.
ويقول والده، رغم حرقة الفراق: إن الأسرة لم تندم على موقف ابنها، مؤكداً استعداده للسير على طريقه إذا تطلب الأمر ذلك.
وعندما نقلت اللجنة تعازي سماحة المرجع الأعلى ومواساته إلى والدة الشهيد، عبّرت عن تأثرها الكبير بهذه الالتفاتة، مؤكدة أن وصول سلام المرجعية إليها أعاد إلى قلبها الطمأنينة.
كما وثقت اللجنة قصة الشهيد علي عباس عبد علي، الذي كان في محور الإسحاقي ضمن الحشد الشعبي، يرافق سيارة الأرزاق عندما تعرضت المجموعة لهجوم من العدو، فاستشهد السائق، إلا أن غيرة الشهيد دفعته إلى إكمال المهمة وإيصال الأرزاق إلى رفاقه، قبل أن يعود لإنقاذ أحد المصابين، ليرتقي شهيداً في طريق العودة.
وفي مشهد آخر، لفت انتباه أعضاء اللجنة طفل لأحد الشهداء لم يتجاوز السابعة من عمره، إذ عندما سأل أعضاء اللجنة الحاضرين عن تاريخ استشهاد والده، بادر الطفل إلى الإجابة، وذكر تاريخ استشهاد أبيه باليوم والشهر والسنة، في صورة تختصر عمق حضور الشهيد في ذاكرة أسرته.
وفي اليومين الثالث والرابع، الموافقين للثاني والثالث من كانون الثاني 2017، واصلت اللجنة زياراتها في ناحية الوركاء ومركز مدينة السماوة، حيث استقبلت العوائل الوفد بحفاوة بالغة، وثمنت هذه المبادرة التي جاءت بتكليف من المرجعية العليا، وعدّتها تعبيراً عن الرعاية الأبوية التي توليها المرجعية لهذه الشريحة.
وخلال هذه الزيارات، استمع أعضاء اللجنة إلى عدد كبير من قصص الشهداء، وما تركوه من مواقف في حياتهم وفي ساحات المواجهة.
وهكذا اختتمت اللجنة أربعة أيام من الزيارات، شملت نحو 50 عائلة من عوائل الشهداء، ناقلةً إليهم سلام سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني وتعازيه ومواساته ودعاءه لهم بالصبر وحسن العاقبة.
وفي المقابل، حملت العوائل إلى اللجنة سلامها وتحياتها ودعواتها للمرجعية العليا، مجددة عهدها بالثبات على طريق الدفاع عن الوطن والمقدسات، والتأكيد على أن تضحيات أبنائها لن تكون سبباً للانكسار، بل مصدر عز وكرامة وفخر.
________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 29، جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف 3، ص 136- ص140.
تحرير : #اكرم الداوودي الطويل