كفوف العطاء : أبناء المثنى.. حكايات الشهادة التي روتها العوائل
2026/08/13
من شهيد احتضن الانتحاري إلى آخر اصطدم بالمفخخة.. لجنة رعاية عوائل الشهداء توثق مآثر أبناء المثنى
لم تكن الزيارات التي أجرتها لجنة رعاية عوائل الشهداء في محافظة المثنى مجرد جولات اجتماعية لتفقد الأحوال، بل تحولت إلى مساحة لتوثيق جانب من ذاكرة الفتوى الدفاعية، من خلال الاستماع إلى عوائل الشهداء وتسجيل شهاداتهم عن أبنائهم الذين غادروا منازلهم إلى ساحات المواجهة، وتركوا خلفهم قصصاً تختصر معنى التضحية.
وخلال زياراتها إلى ناحية الوركاء ومركز السماوة، استمعت اللجنة إلى روايات متعددة عن مواقف الشهداء في حياتهم اليومية وفي ساحات القتال، كان من أبرزها ما رواه والد الشهيد حسين نعمة فيصل.
كان الشهيد يعاني من مرض وعجز في إحدى كليتيه، وقد طلب منه رفاقه أن يأخذ إجازة ليتعافى، لكنه رفض مغادرة موقعه، مفضلاً البقاء إلى جانب رفاقه في مواجهة العدو.
وفي إحدى المواجهات، ظهر انتحاري يستهدف المجموعة، فما كان من الشهيد إلا أن تقدم نحوه، متصدياً له بجسده، واحتضنه ليحمي رفاقه، فتناثرت أشلاؤه جراء الانفجار، ليرتقي شهيداً وهو يحاول إنقاذ حياة الآخرين.
وتوثق اللجنة كذلك موقف الشهيد محسن كاظم عناد، الذي واجه عربة مفخخة بدبابته، فاصطدم بها لمنع وصولها إلى رفاقه، وانفجرت العربة ليرتقي شهيداً، في موقف جسّد إيثاره حياة زملائه على حياته.
وفي موقف آخر، يروي ذوو الشهيد العميد علي وروار حاشوش، آمر أحد الأفواج، أنه عندما نفد عتاد مقاتليه تقدم للدفاع عن جنوده، وظل يشاغل العدو حتى نفد عتاده، قبل أن تصيبه رصاصة من العدو ويرتقي شهيداً.
أما قصة الشهيد منير ناجح خطار، فتكشف جانباً آخر من حجم الاستجابة الشعبية للفتوى المباركة؛ إذ يقول والده إن رجال العائلة جميعاً هبوا إلى ساحات القتال عقب صدور الدعوة إلى الدفاع عن الوطن والمقدسات، حتى أصبح أهل المنطقة يطلقون عليهم تسمية "العائلة الحشدية".
وفي قصة أخرى، تكشف حجم التحدي الذي واجهته العوائل، تروي والدة الشهيد بسام كريم فرحان أن ابنها كان المعيل الوحيد لها ولأخواته، وأن الأسرة كانت تسكن في بيت مستأجر بأجرة شهرية تبلغ 250 ألف دينار.
ومع ذلك، لم تمنعه مسؤولياته الأسرية من الاستجابة للفتوى والالتحاق بساحات القتال.
وحين حاولت والدته إقناعه بعد مدة بالتوقف عن القتال، باعتبار أنه المعيل الوحيد للعائلة، كان جوابه، بحسب روايتها، أنه لا يستطيع أن يتوقف عن مواجهة المعتدين الذين يستهدفون المقدسات.
هذه الروايات التي نقلتها عوائل الشهداء إلى اللجنة لا تمثل مواقف فردية منفصلة، وإنما تشكل صفحات من ذاكرة مجتمع كامل عاش تجربة الدفاع عن الوطن والمقدسات، وقدم أبناءه في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها العراق.
وقد حرصت اللجنة، خلال زياراتها، على نقل سلام المرجعية العليا وتعازي سماحة السيد السيستاني ومواساته إلى هذه العوائل، مؤكدة أن ما قدمه أبناؤهم لن ينسى، وأن تضحياتهم ستبقى جزءاً من الذاكرة الوطنية.
وفي المقابل، عبّرت العوائل عن اعتزازها بمواقف أبنائها، وأكدت أن فقدهم، على قسوته، لم يغير موقفها من الدفاع عن الوطن والمقدسات.
وبذلك تحولت زيارات اللجنة إلى جسر بين المرجعية العليا وعوائل الشهداء، وإلى مناسبة لاستعادة قصص رجال تركوا خلفهم مواقف لا تختزلها تواريخ الاستشهاد، بل تحفظها شهادات الآباء والأمهات والزوجات والأبناء.
_______________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 29، جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف 3، ص 136- ص140.
تحرير : #اكرم الداوودي الطويل