أدب فتوى الدفاع المقدسة
مآثر من صفحات التاريخ: الوطن ناس.. ضيف في الفرات الاوسط
2026/05/02
أهلكوني من الضرب، كلما يتعب واحد يتناوشني الثاني وسيل الشتائم لا ينقطع، العجيب في الأمر أن هؤلاء الغرباء يتصرفون تصرف المالك للأرض والعرض والدواب والبشر.. لم أرَ أياً منهم طوال حياتي، خذلتنا البلاد والبيت بيتنا، صار بمعلوم جميع الأسرى أننا بانتظار الأمير وهم يتلذذون بالدموع التي تنهمر فوق خدود الأسارى وهذا التعذيب الوحشي هو أول السلام، فما في الجعبة على ما يبدو أكبر.
وحضر أخيراً أميرهم المدعو هارون الرشيد ممتعضا يلعن الجريشي وأهل الجريشي، ويصيح:-
كلاب جئنا ننقذكم من الصفويين، ونعيد إليكم اعتباركم وإذا بكم تقفون ضد الدولة الإسلامية، عليكم أن تعرفوا أني لن أسمح بالخيانة أبداً..
سألني : اسمك؟: وليد وليد خالد..
: من أي العمام؟
قلت: عبيدي.
فقال: أنت من أهل السنة طبعاً؟
:- نعم أنا سني عراقي...
يبدو أن هذا الجواب لا ينفعه.. فرحت أضيف له مالا يعجبه - انا ابن الجريشي وعمري ما وقفت مثل هذه الوقفة المهانة في بلدي، فكيف بي أن اقف اليوم ذليلاً تحاكمني باسم ديني و مذهبي لأحاكم بتهمة لا أعرف مغزاها ؟
نظرت إلى أبي الواقف بين الناس شعرت أنه أصيب بدوار وصرت أنظر إلى دموعه التي تتساقط من عينيه دون أن يقدر على أن يبدي حزنه، ولو تقدم خطوة واحدة لنالته أضعاف ما نلته من جلد، حاول أبي أن يصم أذنيه عن قرقعة السياط وصوت الجلد الذي ينهش اللحم.
لم أنس وقفة أبي المسحوقة أمامهم، والخوف من غد وأشياء كثيرة هي أغلى من الحياة نفسها، فناس مثل هؤلاء لا تقف أمام أعينهم حرمة عرض أو كرامة شرف، أفزعني صقيع الخواء في حقيقة العلاقات البشرية والميل إلى الذئبية.. احاسيس مرعبة تنتابني كلما أرى أبي صامتا والنساء مرعوبات.
الريح الصحراوية تزمجر وهي تقرع طبولاً اسطورية والمطر يتساقط في وحشية فيعتمر السهول ويحضر البريق اشباحا غريبة تتشكل كل شبر في جسدي يؤلمني من أثر الضرب وكان التهديد أمر حين يمس عفة البيوت.
انكفأ أبي بعد أن رفض شمالنا الحبيب استقبالنا كلاجئين ابتسمت حينها فقد طفرت إلى الراس فكرة جميلة من حسن الصدف الإنسانية أن هناك أصدقاء يصعدون إلى الرأس ساعة المحن:- من هو ؟ صديقي منذ أيام الجامعة إنه سامر سليم الفتلاوي، تنهدت الأم بحسرة وهي تحذرني: ولدي عليك أن تعرف أن اليوم يختلف عن الأمس، لقد قتل منهم شباب كثيرون، وقدموا ضحايا لا تعد وهذا قد يؤثر على طبيعة التعامل مع عائلة من غير مذهبهم.
عراق.
أجابها أبي: اطمئني، هؤلاء اناس يختلفون كثيرا عن الذين جلدوا ابنك باسم الدولة الإسلامية. اتصلت به هلو سامر ..
: أهلا وليد أين أنت؟ أنا قلق عليك؟
قلت: أنا غريب بلا بلاد طردونا من بلدتنا ورفضنا الشمال، ونحن الآن في الشارع نبحث عن
صاح سامر: وليد عيوننا لكم بيوتا تعال أنا أنتظرك في عفك ، استأجر أي سيارة ولا تخش شيئا. وحين عانقت سامر يعني عانقت العراق أهله وفروا لنا الأمن والأمان فصاروا هم الوطن والناس، وأدركت حينها أن الوطن يعني الناس أكثر مما يعني الأرض، بيتنا امتلأ بالبيض البلدي والسمن الحيواني والحليب والفواكه والثمار من جميع بيوت عفك العظيمة..
الشيء الوحيد الذي أشعرني بالخجل كثيرا وأنا أعيش بين أهل عفك، هو حماس شبابهم للتطوع ضمن صفوف الحشد الشعبي، مما زاد في محنتي أن القاطع المحتشد من أهل عفك سيذهب للقتال في الجريشي، فانا أشعر أني أولى بهذه المهمة وخاصة بعدما عرفت أن سامر مع المتطوعين.
وهناك في الجريشي كان سامر لايفارقني والجميع يعتزون بألفتي ولقد قدمنا مجموعة من الانتصارات التي أذهلت الدواعش فأنا أعرف المنطقة شبرا شبرا وأعرف خبايا المكان، وفي أحد الهجومات الكبيرة التي شنها للرد على هذه المقاومة الكبيرة كانت عربات الموت تحيطنا في أكثر من محور.

فجأة شعرت بالهدوء التام لاشيء من ألم الجراح أدركت حينها أني حققت الفوز ونلت الشهادة، وأصبحت الآن محض شهيد، نهضت من موتي أبحث عن صديقي سامر واذا بي أجده يبحث عني هو الآخر روحا من غير جسد، بكيت عندما رأيت أهل عفك عن بكرة أبيهم خرجوا ليحملونا على أكتافهم.. صـ صحت حينها سامر : ما أجمل عفك وما احلى ناسها.
______________________________________________________________________________