عندما سبق الأخ أخاه إلى الشهادة… هنا تبدأ حكاية حسين بيرم
2026/05/03
بقلم: اكرم علي الداوودي
الحكاية لم تنتهِ عند رحيل حسين الأول من نينوى. كانت مجرد بداية. مضى من أرضه مكرهًا، يترك ورائه زرعًا لم ينضج وبيتًا لا تزال الجدران تحفظ صدى صوته. لم يعرف حسين وقتها أنه يتجه إلى قدر أكبر من كل ما فقده.
في البصرة، لجأ مع عائلته وحاول أن يبدأ حياة جديدة، لكنه بقي معلق القلب هناك، بين تراب سُلب منه ووطن يناديه باسمه. وعندما جاء نداء المرجعية بفتوى الدفاع الكفائي، لبّى دون تردد. ما سأل: من أقاتل؟ أو لماذا؟ سأل نفسه فقط: كيف أتأخر عنهم؟
كان شابًا من عامة الناس. لكن الحواجز انهارت أمامه، وتحرك إلى الجبهات كأن الطائفية لا معنى لها في قلبه.
في طريقه للجبهة مرّ بكربلاء، صام شهر رمضان عند مرقد الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام)، وهناك في هدوء الليالي شعر أن شيئًا جديدًا يولد بداخله، لم يستوعبه جيدًا، لكنه بدا أشبه بنداء أخير.
انضم بعدها مع المجاهدين، وأخوه علي إلى جانبه. أخان في ساحة واحدة، كتف بكتف، ورصاصة برصاصة.
لكن الحرب قاسية، لا تقيم وزنًا للروابط.
وفي إحدى المواجهات، صدر أمر: "أحدكما يبقى في الخلف." ارتفع حاجز ثقيل من الصمت بينهما، وبدأ الصراع. ليس صراعًا مع العدو، بل بين قلبين لا يطيقان فراق أحدهما للآخر.
قال علي: "دعني أذهب." لكن حسين رد فورًا: "بل أنا."
تكرر الجدال وارتفعت الأصوات، حتى عم الصمت فجأة.
نظر حسين في عيون علي، وتذكر كربلاء. بصوت متردد لكنه حاسم قال: "تتذكر أبو الفضل لما تقدّم وترك الحسين؟ اليوم أنا أبوك يا علي. أنا الأكبر، وأنا الذي يجب أن يتقدم."
رد علي وحرقة الفراق في صوته: "لا تتركني…" اقترب حسين، وضع يده على كتف أخيه وقال: "لو متُّ… احفظهم مكانى."
لحظة وداع، حتى لو لم ينطقاها.
اندفع حسين نحو النار، نحو الموت الذي انتظره بصبر. لم تمضِ دقائق حتى انفجرت سيارة مفخخة وملأت الأجواء بالصمت والموت.
سقط حسين بين الدم والتراب.
وصل الخبر إلى علي، ركض نحو أخيه مع الإسعاف وقلبه يخفق بقوة، يبحث في الوجوه عن معجزة. وجده... لكنه ليس هو نفسه.
ثمانية عشر يومًا قضاها حسين يصارع الألم، وأخوه واقف عند رأسه، عاجز، منكسر، يراقب الحياة تتسلل منه.
وفي اليوم الأخير خمد كل شيء.
رحل حسين… هادئًا كما جاء أول مرة.
عاد جثمانه إلى البصرة، وكان محمولًا على أكتاف كل المدينة، ليست وحيدًا أبدًا. خرجت البصرة بكل وجوهها وطوائفها. لم يسأل أحد عن طائفته، سألوا فقط: كيف نرد الجميل؟
بكته الشوارع والأزقة امتلأت برجال لا يعرفونه، لكن فقدوه كأخ. سار نعشه بين الجموع، مهيبًا، يروي بصمته قصة أكبر من كل الحروف.
الوفاء ما توقف عند التشييع؛ امتد لبيته. تكفل أهل البصرة بأسرته، احتضنوا أطفاله الثلاثة ومسحوا عنهم شيئًا من مرارة الفقد. هذا كان العزاء الحقيقي — أن من ضحى لا يبقى في العتمة وحده بعد رحيله.
دُفن حسين في النجف. لكن الحكاية ما انتهت معه.
لم يكن مجرد شهيد. كان سؤالًا كبيرًا يتحدى الطائفية، وإجابة سُطرت بالدم:
الوطن، أكبر من كل شيء.
رحم الله الشهيد حسين بيرم عزيز البياتي… وجعل دمه جسرًا تعبر عليه الأجيال نحو عراقٍ لا يعرف إلا الوحدة.