وهبته لله
2026/03/12
بقلم: -إيمان كاظم الحجيمي
دخلت عليه الغرفة وجدته نائماً على فراشه، لكنها شعرت أنه يفترش قلبها، ترددت في إيقاظه، ثم عادت لتصرع خوفها؛ لأنها كانت تخشى من شعورها الذي ولد في هذه اللحظة أن يفتر، نداء الأمومة كان يأرجحها بين الواجب الخوف من فقده.
استغرقت للحظات طويلة وهي تتأمل رحلتها في الحياة، وسعادتها بوجوده، أنجبت قبله ثلاث بنات، حتى أشرق بوجهه القمري ليمنحها فرحة لطالما انتظرتها، لم تنجب بعده وكأنها اكتفت به عن كل شيء، ولم تتعمد تمييزه عن أخواته، لكنه كان يداعب قلبها بجماله، وكأنه يعرف نقطة ضعفها فيبالغ بحبها وطاعتها، حتى كبر وهو باز بها، لم يعترض أبداً على تحقيق حاجة أو رغبة لها.
وحينما تركته غاضباً بعد أن أثنت عزمه وحالت بين رغبته بالالتحاق وبين رضاها عليه، خرجت لتنفس وتهرب من دمعة لمحتها في عينيه هشمت قلبها وحطمت دفاعاتها، كانت على وشك أن تقول له: امض يا ولدي ولا أبقاني الله لأبكيك، ولا أعدمني ابتسامتك، لكن لسانها أعجزها عن النطق.
تجولت في الحي وهي تسير على غير هدى، تنقلها الأزقة وتقلبها الحيرة، تتساءل بوجع كيف لأم أن تبارك التحاق ولدها بساحة الحرب؟ كيف يمكنها أن تتقبل احتمال فقده؟ هل أنا عاصية أمر ربي؟ هل يغفر الله لي ذنبي وهو من ربط قلبي بالأمومة؟
لم تجد أجوبة تشفي لوعتها، وبينما هي في طريق عودتها إلى البيت، وهي في منتهى الخجل من موقفها تجاه التحاق ولدها، ورغبته الملحة في تلبية نداء الحسين ونصرته، رأت بعض النسوة يدخلن أحد الجوامع القريبة لحضور مجلس عزاء، فدخلت وهي تنشد الدموع لتطفئ لهيب حسرتها.
جلست في أحد أركان الجوامع، وأخفت وجهها بعباءتها وأغمضت عينيها، وأنصتت بفؤادها المكبل بالخوف، كان حديث المجلس عن دور المرأة في واقعة الطف، وتحديداً عن موقف السيدة الجليلة أم وهب، حينها نفذ الحديث إلى روحها كالسهم القاتل، وظلت تردد في سرها: أم تحمل رأس فلذة كبدها وترميه لأعداء الله بداعي أن من نهبه الله لا نسترده!
أي عقيدة هذه؟ وأي قلب عامر بالبصيرة؟
وأي غفلة أوقعتني في شراكها؟
نهضت مسرعة لتعود إلى البيت بعزم أم وهب، وتستغل لحظة اندفاعها بعد انفجار عينيها بدموع أطفأت لهيب ثورتها المناهضة لرغبة ولدها في الذود عن حرم الوطن.
في هذه الأثناء كان قد فتح عينيه ليجدها تتطلع فيه وهي تمطر زمزم الدمع، فظن أنها ما زالت
غاضبة منه، فنهض مسرعاً وخاطبها بلهجة منكسرة:
- أرجوك كفي عن البكاء لا أطيق دموعك، سامحيني لأني أبكيتك.
- بني فلتسامح قلبي أنت.. لأني وهبتك الله ولن أستردك!
________________________________________________________
المصدر : موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 76، ص85-86.