أدب فتوى الدفاع المقدسة
الشهداء أُمراء الجنة ..الشهيد الشيخ مصطفى السراي
2026/05/16
الشهيد السعيد الشيخ مصطفى حامد عبد الرضا السراي
ولد الشهيد مصطفى حامد عبد الرضا السراي في بغداد عام ۱۹۹۱م، ترعرع ونشأ في أوساط إيمانية؛ فأثر ذلك في اكتمال شخصيته وطيب سريرته بعمر مبكر، تزوج ورزق بطفلتين.
التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف بعد ان أكمل دراسته الاعدادية؛ فنهل من علوم اهل البيت وتمتع بذكاء وفطنة عاليين وخاض مضمار الخطابة الحسينية والتبليغ بعد سنوات قليلة من دراسته الحوزوية فأصبح خطيباً حسينياً معروفاً قبل أن يرتدي لباس العلماء الخاص بالحوزة العلمية، وكانت لديه الكثير من المحاضرات الاخلاقية والفقهية والعقائدية، ولقب من قبل أحد اساتذته عندما سمع مجلسه الحسيني بـ (الوائلي الصغير).
أستمر في دراسته الحوزوية وكان يتردد بين بغداد والنجف الاشرف، وكان له نشاط ملحوظ في مدينته في اثناء عودته اليها نهاية الاسبوع فقد تبنى مجموعة من المشاريع الاجتماعية والدينية وقام بتعمير احدى الحسينيات واقامة الانشطة فيها.
كان للشهيد الشيخ مصطفى دور كبير في اعمال الخير ومساعدة الفقراء والمعوزين؛ فكان يجمع التبرعات من اخوته وأعمامه وعشيرته ويقوم بشراء الملابس والمواد الغذائية ويقوم بتوزيعها على العوائل الفقيرة والاسر المتعففة بطريقة يحفظ بها كرامتهم ويصون بها ماء وجوههم ففي كثير من الاحيان يترك المساعدات على باب دار الفقير ويطرق الباب وينصرف وهذا خلق أهل البيت في عطائهم.
مما نقله لنا والد الشهيد عن شخصية الشهيد الشيخ مصطفى انه كان مربياً لجميع العائلة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وكان يقول : ( ان علاقتنا مع الشهيد علاقة صداقة)، وقد أثنى عليه أحد الأساتذة في النجف الأشرف بقوله : (ان) الشيخ يتصرف بما هو أكبر من عمره). امتاز رضوان الله عليه برقة القلب وسرعة جريان دموعه شوقاً وحباً الله تعالى ، فاذا جنَّ عليه الليل أخذ سجادته واعتلى سطح الحسينية ووقف لأداء الصلاة في خلوته وهو يبكي ويدعوا الله ويقرأ القرآن، وكثيراً ما كان يطيل البكاء في محاضراته عندما يمر ذكر أسم الزهراء عليها السلام.
يعد الشهيد مصطفى السراي مدرسة متنقلة لتبليغ علوم أهل البيت ؛ لذا تجد كثيراً من الشباب يجتمعون أمام منزله عند عودته من النجف كل يوم خميس أو جمعه ويبقون معه إلى وقت متأخر من الليل يستمعون لحديثه واجاباته على مسائلهم الفقهية والعقائدية، وعلى الرغم من ان الكثير من الشباب كان يحضر هذه الجلسات الا انها لم تقتصر عليهم فقط بل تشمل بعض كبار السن الذين كانوا يفيدون من مجلس الشيخ
السراي.
على الرغم من ان الشيخ مصطفى كان في بداية العقد الثالث من عمره عند استشهاده الا انه كان يتمتع بوجاهة دينية واجتماعية أهلته لان يسعى في حل كثير من المشاكل العالقة في منطقته وبين افراد عمومته.
ساهمت عائلة الشهيد الشيخ مصطفى السراي في دعم الفتوى المباركة للدفاع عن البلد فقد قام والد الشهيد بفتح دورات للتدريب على السلاح في منطقته في إحدى الساحات والمدارس وقام في بداية الامر بتدريب سرية من المجاهدين كان من ضمنهم الشيخ مصطفى وكان حريصاً على تلقي فنون القتال بكل دقة وعزم.. وكانت بداياته الجهادية من خلال دوره الواضح في قوافل الدعم اللوجستي، فكان يذهب يومياً للدعم في منطقة التاجي في أطراف بغداد ويعود عصراً ليواصل تدريبه العسكري.. وكان بعض أصدقائه يبعدونه عن اساليب التدريب المتعبة من الركض وغيرها - لكونه مبلغاً روحانياً ، إلا أنه لا يلتفت كثيراً لكلامهم ويصر ويستمر بتدريباته القتالية، وبعد أن أنهى تدريبه العسكري التحق مع متطوعي الحشد واشترك في معارك اللطيفية والشاخات ( ١ و ٢ و٣ و ٤ ) ، وحقق مع اخوته المجاهدين انتصارات كبيرة.. وكانت له بصمة واضحة في كل المعارك التي شارك فيها، كان في اوقات اجازته يلتحق مع افواج العتبة ا العلوية المقدسة ليشاركهم في الجهاد.

خلال مسيرته الجهادية سطّر الشهيد الشيخ مصطفى السراي كثيراً من المواقف البطولية التي سجلها التاريخ.
ومن المواقف الاخرى التي تسجّل للشهيد ان سيارة عسكرية تابعة للجيش العراقي تم استهدافها من قبل الاعداء فجرح أحد الجنود فيها وبدأ ينادي لإنقاذه، إذ لم يستطع من معه انقاذه فسمع الشيخ مصطفی استغاثته وكان يبعد عن السيارة من ۲۰ الى ۳۰ متراً، فنهض وصعد الساتر متحدياً الأعداء وخطورة الموقف وسحب الجريح وأنقذه بحمد الله.
وله موقف بطولي آخر في بداية الفتوى المباركة وتحديداً في التحاقه الأول في منطقة الشاخات حين دخل ومن معه من المجاهدين تلك المنطقة لفك الحصار عن خمسين عنصراً من الجيش، فأستبسل ومن معه في تلك المعركة وفكوا الحصار عن اخوانهم دون اعطاء خسائر من الجنود وكذلك من مجموعتهم... سوى بعض الاصابات وشهيد غالي من الجيش وكان ذلك بسبب الرؤيا العسكرية التي يتمتعون بها وتخطيطهم المتقن للعملية القتالية...
كان الشيخ مصطفى محركاً للشباب، يشحذ هممهم في جبهات القتال ويلقي المحاضرات الدينية ولا يقف لسانه عن ذكر الامام الحسين تعلوا محياه الابتسامة وتزينه الاخلاق العالية الرفيعة، والوجه الصبوح المتفائل ؛ لذا يتعلق به من يراه من الوهلة الأولى.
نقل لنا والد الشهيد قصة استشهاده برواية المجاهد السيد أحمد الياسري إذ يقول: كنا جالسين وكان معنا الشيخ مصطفى ودخل علينا آمر اللواء (ابو كوثر) وأخبرنا ان العتبة العلوية لديهم هجوم يوم غد ومن واجبنا تزويدهم بالعتاد والدعم.. فألح الشيخ مصطفى على الذهاب معهم والمشاركة في هذا الهجوم.
كان الحاحه قوي للذهاب معهم فأنتبه له آمر اللواء (أبو كوثر) وقال في حينها لأحد المجاهدين القريبين منه: (إن الشيخ مصطفى سيستشهد في هذه المعركة، فأنا ارى الشهادة في وجهه). وكانت تربطه رابطة وعلاقة قوية جداً مع الشيخ مشتاق الزيدي والذي هو أيضاً نال شرف الشهادة بعد الشيخ مصطفى في نفس المعركة، فمن جملة ما قاله لا استطيع ان اترك اخي الشيخ مشتاق في هذه المعركة وكذلك ينقل عن الشيخ مشتاق انه قبل المعركة قال اتصلوا لي بالشيخ مصطفى اريد ان يشاركني في هذه المعركة .
فدخلوا منطقة البو حشمة في بلد على شكل مجموعات فتقدمت مجموعة الشيخ مصطفى أولاً وتلتها مجموعة الشيخ مشتاق ووصل الشيخ مصطفى إلى أحد الجوامع وأذن داخل الجامع وصلى وخطب فيه وفي هذه الاثناء تعرض لهم الدواعش بهجوم قوي ولأن المنطقة كانت غير مؤمنة بالشكل الكامل خرج

الشهيد واستتر خلف أحد الجدران من رشقات الرصاص الشديدة ودارت معركة شرسة مع الدواعش وفي تلك المواجهة نال شرف الشهادة وكان الشيخ مشتاق خلفه فقال لمجموعته (أحذروا ان يأخذ الدواعش جسده الطاهر) واستشهد الشيخ مشتاق بعده بعد أن أصيب ليلحق بأخيه ورفيق دربه في العلم والجهاد.. ومن المصادفات أن ولادة الشهيد مصطفى كانت ۲٥ / ۱۲ / ۱۹۹۱ وشهادته ٢٥/ ١٢ / ٢٠١٤ كما يقول والده.. وكانت شهادته في قاطع عزيز بلد.
شيع الشهيد تشييعاً مهيباً في النجف الاشرف... وشيع في بلد وفي منطقته في بغداد وصلى عليه اية الله الشيخ باقر الايرواني حفظه الله وحضر لعزاءه جمع غفير من أساتذة الحوزة العلمية وطلبتها.
هنيئاً لهذه العائلة المجاهدة التي قدمت الشهيد الشيخ مصطفى ومن بعده أخاه الشهيد الملازم محمد فطوبى لهما وحسن مآب.
هنيئاً للشيخ مصطفى والد الفواطم (فاطمة، فاطمة الزهراء) وقد رزق اخوه الشهيد محمد ببنت فأسماها فاطمة المعصومة تحقيقاً لرغبة الشهيد.
هنيئاً لشيخ مصطفى الذي كان يقبل يد والده عند التحاقه بالجهاد.
هنيئاً للشيخ مصطفى بأمه المؤمنة الصابرة الطاهرة التي ختمت كلامها معه ان توجهت الى الله وقالت اللهم تقبل منا هذا القربان.
هنيئاً للشيخ مصطفى وهو يعاهد المرجعية على الاستمرار بهذا الخط الرسالي الجهادي فيقول لاحد المجتهدين كما ينقل والده «ان ابناءكم يعاهدون الله ورسوله والإمام الحجة لن يتزحزحوا من مكانهم إلا
بنصر يعز المسلمين وأهله أو شهادة لنا فيها خير الدنيا والآخرة» فهنيئاً له هذا الوسام العظيم.
_________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص24 - 27.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي
صور من الخبر