الشهداء أُمراء الجنة ..الشهيد السعيد الشيخ طعمة المرشدي
2026/05/24
ولد الشهيد الشيخ طعمة المرشدي عام ١٩٦٨م ، في محافظة الناصرية – ناحية الفجر، و درس الابتدائية في قرية الصينية حيث مقر عائلته ، ثم التحق بإعدادية الفجر ، بعدها نال شهادة البكالوريوس من كلية الآداب جامعة الموصل، متزوج وله ولدان صادق ومحمد علي ». كان مثالاً عالياً للتقوى إنه عالم ومقاتل من طراز خاص ابو صادق رجل العلم والشهادة ، تجمل بالخصال الحميدة ودمائة الاخلاق ، بسيط في حديثه ، متواضع في تصرفاته ، تعلوه الهيبة ويجلله الوقار، مع غزارة العلم والفضل، من شدة حبه للمجاهدين لا يتردد في خدمتهم بل في تقبيل اياديهم ، فهو عارف بحقهم وفضلهم ؛ لذا دخل حبه في قلوب الكثيرين ، كان من اوائل الملتحقين بصفوف المقاتلين ، خاض معارك العز والشرف في ساحات الجهاد وهو متسلح بفتوى المرجعية الدينية العليا وعقيدة الحشد الشعبي المقدس وحب العراق ، دخل ميادين القتال من أجل تحرير الاراضي التي اغرقتها عصابات داعش الاجرامية بدماء الابرياء وهجرت أهلها وتجاوزت على حرماتها ، لم يطق صبرا وهو يرى كل هذا يمر ببلده ومقدساته ، كان يترقب الامر الشرعي بالجهاد وجاءت الفتوى الربانية الالهية كما وصفها رضوان الله عليه مؤكدة على ما عزم عليه، جل اعتقاده وإيمانه ان معركة الحشد مع داعش هي معركة الطف الثانية يقودها سليل العترة الطاهرة اية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
بدأت المسيرة الحوزوية عنده في بداية التسعينيات من القرن العشرين، وكان دخوله هذا السلك المبارك بتأثير أحد الفضلاء في الحوزة العلمية وهو الشيخ عقيل الحاشي» فدرس شهيدنا الغالي على يديه مرحلة المقدمات، أما مرحلة السطوح فكانت على يد السيد محمد طاهر الجزائري ثم التحق بدرس البحث الخارج عام ٢٠٠٥ م، عند اية الله الشيخ باقر الإير واني.
كان يمارس دوره التبليغي بتوضيح الاحكام الشرعية في منطقته في محافظة الناصرية، فضلاً عن اعطائه بعض الدروس الحوزوية كالنحو والبلاغة والصرف والمنطق وغيرها من دروس الحوزة العلمية في مدينة النجف الاشرف وهو من المواظبين على التحصيل الحوزوية، ويهوى المطالعة كثيراً وإذا تطرقنا الى الجوانب الاجتماعية في حياته "رضوان الله عليه" نرى ان الشهيد كان حريصاً على أن يترك بذرات الخير في نفوس أبنائه وعائلته فكان يجمعهم بين الحين والآخر ليحدثهم عن الشهادة والشهيد ومنزلة واجر الشهيد عند الله ويؤهلهم لقبول نبأ استشهاده فيخاطبه ولده الاكبر قائلاً : "أبه من لنا بعدك ، فيرد عليه بحنانه المعهود لكم الله"، وكذا يجمعهم للوعظ والارشاد ؛ لتوجيههم الوجه الصحيحة ليتخلقوا بأخلاق القران ويكونوا اناساً فاعلين ومثمرين في مجتمعهم وبين أهلهم ، وكذا كان شديد الحرص على مساعدة الفقراء والمحتاجين، يتفقدهم ويرعاهم على الرغم من ان دخله المالي محدود ، ولربما يضطر في بعض الاحيان لان يستأجر نفسه لقضاء العبادات عن أموات المؤمنين ويساعد الفقراء من هذه الاموال او يشتري الاسلحة ليقاتل بها اعداء الله .
يذكر المقربون من الشيخ الشهيد ان من عرف الشهيد تأثر به كثيراً، وقد ساعدت بساطته في الحديث وتواضعه مع فضله وعلمه على استقطاب كثير من فئات المجتمع من حوله والتأثير بهم ولا سيما الشباب.
أما علاقته مع الامام الحسين (علية السلام) فكانت علاقة مميزة يصعب وصفها، فقد كان خادما للإمام وخادماً لخدام الامام يستقبل مع أهله زوّار الامام، ويخصص لهم بيته الخاص ويسهر ويحرص على راحتهم مدة اقامتهم، وكذا كان له دور مميز وكبير في تأسيس مواكب لخدمة الامام أبي عبد الله الحسين (علية السلام) في محافظته الناصرية، وقد ربى أولاده وعائلته على نهج الامام الحسين(علية السلام) وزرع في قلوبهم حبه.
أما دوره الجهادي فكان الشهيد من ضمن لجنة الارشاد والتعبئة للدفاع عن عراق المقدسات، فله دور تبليغي في توجيه المجاهدين وشحذ هممهم، لكنه لم يقتصر على هذا الدور بل كان له أيضاً دور جهادي قتالي فقد اشترك في أغلب المعارك ضد عصابات داعش منها في تطهير محيط سامراء، وقاطع بيجي، والفلوجة، والكرمة، والصقلاوية، وتحرير الصينية، وتلال حمرين، وتحرير الموصل، وسطر كثيراً من البطولات التي بقيت شاهدة للتاريخ وكانت له مواقف كثيرة ، ولكن كبقية المجاهدين المخلصين كان يكتم كثيراً من أعماله خوفاً من ان يشوبه الرياء ، الا ما ظهر منها على لسان غيره، فمن بطولاته انه قام بفك حصار عن بعض المجاهدين بعد أن زحف لمسافات طويلة لهذا الغرض، وحمل راية النصر في تحرير قضاء بيجي وجاء بها الى منزله وعليها آثار الحرب من التراب ، فاراد اهله ان يغسلوها فرفض ذلك وقال لهم احتفظوا بها على حالها فهي مصدر فخر وعز لكم، وجرح في إحدى معاركه وعندما قيل له : ( نحمد الله على سلامتك قال : «الحمد لله، ولكن العدو كان غبياً حيث لم يسدد في الهدف الصحيح ولو سدد جيداً للحقت بركب الشهداء»، كان يغبط الشهداء الذين سبقوه ويعشق اللحوق بهم سريعاً، ، لذا كان في ايامه الاخيرة يعلوه الحزن لاقتراب تحرير الموصل اخر الاراضي المدنسة من قبل الارهاب خوفاً ان تتحرر كامل الاراضي العراقية ولم يلتحق بركب الخلود ركب سيد الشهداء لكن الله حقق مبتغاه بعد ان توسل بسيدة النساء وطلب منها بحرقة قلب يا زهراء وفقيني للشهادة وختم حياة مليئة بالعطاء ، وعرجت روحه الطاهرة وتوج بتاج الشهادة بتاريخ ۲۰ - ۲ - ۲۰۱۷ في قاطع تل عبطة مع كل من الشهيد السعيد الشيخ عبدالغفار المنصوري والشهيد السعيد الشيخ رضا المياحي ، بعد ان اتصل بأبنائه قبل ساعة من استشهاده لسماع صوتهم الاخير ، واستودعهم عند من لا تضيع لديه الودائع. شهد جثمانه الطاهر تشييعا مهيباً في الناصرية وكذا مع بقية الجثامين الطاهرة التي استشهدت معه تشييعاً مهيباً في النجف الاشرف شارك فيه عضد المرجعية العليا سماحه السيد محمد رضا السيستاني دام ظله ومجموعة طيبة من علماء الحوزة العلمية وفضلائها و جمع غفير من طلبه العلوم الدينية وجمع كبير من الموالين، وانطلق المشيعون وهم يحملون على أكتافهم وأكفهم الجثامين الطاهرة للشهداء السعداء ، وتوجهوا صوب مرقد الإمام علي بن أبي طالب مرددين هتافات تعبّر عن ارتباط المؤمنين بدينهم وعقيدتهم ومرجعيتهم الدينية، تشييعاً مهيبا امتزجت فيه الدموع مع الهتافات ( تحلى الشهادة بفتوتك سيد علي السيستاني ) وأدوا مراسم الصلاة بإمامة سماحة آية الله الشيخ باقر الايرواني حفظه الله ، وكذا زيارة المرقد الطاهر في وسط أجواء مذكرة بتضحيات الابطال من طلبة الحوزة العلمية التي تنزف رجالاً كراماً اشداء للدفاع عن العراق ومقدساته، ومن ثم اتجه المشيعون إلى مقبرة الشهداء في وادي السلام حيث ورت الأجساد الطاهرة.
مسيرة من الجهاد والتبليغ قضاها الشهيد السعيد اختتمت في أرض مدينة الموصل بدمه الطاهر الذي سال على ترابها من أجل تحريرها بعد أن عاث بها داعش ظلما وعدوانا.
_____________________________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص38 - 41.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي